في غزة انتهت حرب وبدأت حروب أخرى لا تقل شراسة وضراوة عن حرب الصواريخ والمدافع، حرب يسقط فيها المطر فيرعب النازحين وسكان الخيام وكأنه رصاص.
في مخيم صغير على أطراف حي الشجاعية، تبدو الخيام وكأنها تقف بصعوبة فوق أرض طينية غمرتها مياه المنخفض الجوي الذي يضرب قطاع غزة.
وبين تلك الخيام المهترئة تقف عائلة أبو رائد تحاول لملمة ما تبقّى من ليلة قاسية.
ليلة المطر الأولى
مع حلول منتصف الليل، بدأت المياه تتسرّب إلى داخل الخيمة. يقول أبو رائد بينما يشير إلى فراش العائلة الغارق بالماء:
"من أول نقطة مطر عرفت إن الخيمة مش راح تصمد. قضينا الليل نرفع الفراش ونحرك الأولاد من زاوية لزاوية."
ويضيف بصوت متعب وهو ينظر إلى الخيمة التي تحولت إلى بركة صغيرة:
"أولادي أمضوا نصف الليل وهم واقفون… ما طلبنا الكثير، فقط سقف لا يسقط علينا مع أول مطر."
أما زوجته أم رائد، فكانت تمسك بغطاء صغير تحاول عله يجفّ قليلًا تحت الشمس الخجولة. وتقول:
"ما في شي أصعب من إنك تشوفي أولادك بيرجفوا من البرد وإنتِ مش قادرة تعملي إشي. تمنّيت يكون عندنا مكان ناشف ننام فيه."
جيران يعاونون بعضهم
عدد من الشباب في المخيم أمضوا ساعات الليل يحفرون قنوات صغيرة لتصريف المياه بعيدًا عن الخيام. أحدهم، الشاب محمود (18 عامًا)، يقول وهو يحمل مجرفة:
"إحنا ما معنا معدات، بس أي شي ممكن يساعد. لو ما وقفنا مع بعض، كانت الخيام غرقت أكثر وصار الوضع أسوأ."
وفي خيمة قريبة، كانت أم خالد تمسح الطين عن طفلتها الصغيرة وتروي بصوت متعب لكنه ثابت:
"هاي أول مرة تشوف فيها المطر… وأنا خايفة عليها من المرض. حاولنا ننتقل لخيمة الجيران شوي، بس كل الخيام مليانة ناس."
مشاهد تتكرر في كل زاوية
المشهد ليس حالة فردية، بل صورة تتكرر عشرات المرات في أرجاء المخيم:
أطفال يحملون أحذيتهم الموحلة، نساء يرفعن الأغطية على الحبال، رجال يجرّون المياه بالأوعية البلاستيكية.
يقول مسؤول في إحدى فرق الإغاثة المحلية:
"وضع الخيام سيّئ جدًا. النايلون لا يمنع المطر ولا البرد. نحتاج خيامًا أقوى وبنية تحتية للتصريف، لكن الإمكانيات قليلة جدًا."
الأزمة ما زالت أكبر من قدرة الأهالي. فالخيام لا تتحمل المطر، والبرد يزيد من صعوبة الحياة اليومية، والنازحون لا يملكون رفاهية الانتقال إلى مكان أفضل.
وسط هذه التفاصيل الصغيرة، تتكشّف صورة معاناة آلاف العائلات التي تقاوم يومًا بعد يوم، في انتظار لحظة تستعيد فيها حياتها الطبيعية، أو على الأقل خيمة لا تغرق عند أول موجة مطر.
منخفض جوي يعمّق الأزمة
تسبب المنخفض الجوي العميق الذي ضرب قطاع غزة خلال الساعات الماضية في غرق مئات الخيام داخل مراكز الإيواء في شمال ووسط وجنوب القطاع، ما فاقم معاناة آلاف العائلات النازحة التي تعيش ظروفًا إنسانية شديدة الصعوبة منذ عامين.
وشهدت مناطق واسعة في رفح ودير البلح وخانيونس ومدينة غزة تساقطًا كثيفًا للأمطار أدى إلى تدفق المياه إلى داخل الخيام المصنوعة من النايلون والقماش، والتي لا توفر أي حماية حقيقية أمام الأمطار أو الرياح.
وأفاد سكان المخيمات بأن مياه الأمطار غمرت الأرضيات واتجهت نحو الخيام المنخفضة، متسببة في تلف الأمتعة والفرشات، وبقاء الأطفال والنساء في العراء لساعات.
وأكدت طواقم الإغاثة المحلية أن الظروف الجوية تضاعف التحديات الإنسانية، حيث يواجه آلاف النازحين نقصًا حادًا في وسائل التدفئة، وغياب بنية تحتية للتصريف، وافتقار الخيام لحدٍّ أدنى من معايير الحماية.
نداءات عاجلة واستغاثة دولية
شدة المنخفض ضاعفت من حجم الكارثة الإنسانية في غزة، إذ باتت قرابة 300 ألف أسرة بلا مأوى، الأمر الذي دفع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى مناشدة المجتمع الدولي لإدخال المساعدات فورًا.
وأفادت مصادر فلسطينية بأن أكثر من 125 ألف خيمة تضررت.
كما عطّل الطقس العاصف 10 نقاط طبية متنقلة كانت تقدم خدمات إسعافية للسكان، ما يزيد من خطورة الوضع الإنساني في ظل غياب مقومات الإيواء والرعاية الأساسية.
وجددت الأونروا مناشدتها إدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق، مؤكدة أن أكثر من 125 ألف خيمة تضررت أو اهترأت بالكامل، وفقدت قدرتها على توفير المأوى والحماية.
وأشارت الوكالة إلى أن القطاع بحاجة إلى 300 ألف خيمة جديدة، بينما لم يدخل سوى 20 ألف خيمة فقط، أي ما يعادل 7% فقط من الاحتياج الفعلي.
وأضافت أن أمطار الشتاء تجعل ظروف المعيشة القاسية أصلاً أكثر خطورة، إذ غمرت المياه الشوارع وتبللت الخيام، فيما تؤدي البيئات الباردة والمكتظة وغير الصحية إلى زيادة مخاطر الأمراض والعدوى.
واختتمت بأن إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، بما في ذلك الدعم الطبي والمأوى المناسب، يمكن أن يمنع الكثير من هذه المعاناة المتفاقمة.