البحر المُحاصر: كيف جُرِّد قطاع الصيد في غزة من أدواته وحياته؟

الرسالة نت - خاص


لم يعد البحر في غزة مساحة رزق مفتوحة، بل تحوّل إلى نطاق مغلق تحكمه القيود والنيران. ووفق تصريحات أممية يعمل قطاع الصيد اليوم ضمن بيئة توصف بأنها «شديدة التقييد»، حيث يُمنع الصيادون من الوصول إلى الأعماق البحرية، وتتوقف شبه كليًّا عملية إدخال المعدات، في ظل دمار واسع يصعب ترميمه.

هذا الواقع لم يتشكل فجأة، بل تراكم مع تصاعد الاستهداف المباشر للصيادين، الذي بلغ ذروته خلال الأشهر الماضية. فمنذ أيام فقط اعتقلت بحرية الاحتلال، أربعة صيادين، وفجرت قاربهم قبالة شواطئ خان يونس جنوب قطاع غزة. 

النجاة صيد

عند الفجر، يدفع محمود سالم قاربه الخشبي الصغير نحو الماء، قبل أن يتراجع قليلًا ويتلفت حوله. لا يحمل شباكًا حقيقية، ولا محرّكًا، فقط عصًا طويلة وبقايا شِباك محترقة أعاد ربطها بيديه. يقول: «لم أعد أبحث عن الصيد، أبحث فقط عن لقمة تسدّ رمق أولادي، وعن عودة آمنة».

يبتعد محمود عشرات الأمتار فقط عن الشاطئ، ثم يتوقف. أبعد من ذلك يعني الاقتراب من مرمى الرصاص. «نقيس البحر اليوم بالأقدام، لا بالأميال»، يقول وهو يشير إلى الأفق الذي لم يعد متاحًا له. يعود غالبًا بلا سمك، لكن ذلك لا يعني فشل الرحلة، فـ«النجاة بحد ذاتها صيد».

في ميناء غزة، يجلس حسن سعد إلى جانب قارب غريب الشكل، صُنع جزؤه السفلي من باب ثلاجة قديم، ثُبّتت أطرافه بأخشاب وأسلاك صدئة. «هذا ليس قاربًا، هذا محاولة أخيرة»، يقول وهو يمرر يده على سطحه الخشن.
يضيف: «كنا نملك مراكب حقيقية، بمحركات وشباك. اليوم نملك الخوف فقط». القارب لا يحتمل أكثر من شخص واحد، ولا يستطيع مواجهة موجة عالية، لكنه بالنسبة لحسن «وسيلة لعدم الجلوس في البيت مكتوف اليدين».

في أحد الأزقة القريبة من الميناء، يجتمع عدد من الصيادين العاطلين عن العمل. يتحدثون عن أيام كانوا يعودون فيها محمّلين بالصيد، وعن مزادات السمك التي كانت تضج بالحياة. أحدهم يقول: «نحن صيادون بلا بحر، مثل مزارعين بلا أرض».

يضحكون أحيانًا، لا لأنهم بخير، بل لأن الصمت أصبح أثقل من الضحك. «البحر هناك، نراه كل يوم، لكنه لم يعد لنا»، يختم حديثه.

ودمر الاحتلال أكثر من 1800 مركب من أصل نحو 2000، ما أدى لتراجع الصيد إلى  أقل من 2% من الإنتاج الطبيعي قبل الحرب.

خسائر بالجملة 

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن إنتاج الصيد في غزة تراجع إلى 7.3% من مستويات عام 2022، مع خسائر قُدرت بنحو 17.5 مليون دولار، فيما بلغ الضرر في أصول الصيد والاستزراع السمكي قرابة 70%.

وتقدّر مؤسسات ميدانية أن نحو 95% من ممتلكات الصيادين ومرافق التخزين والتجهيز تعرضت لأضرار مباشرة، ما أدى إلى انهيار مصادر دخل مئات العائلات التي كانت تعتمد على أعمال صغيرة مرتبطة بالبحر، مثل مطابخ زوجات الصيادين. وهكذا لم يضرب الدمار الشاطئ وحده، بل المنظومة الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط به.

بدوره أكد رئيس لجان الصيادين الفلسطينيين، زكريا بكر، أن قطاع الصيد البحري في غزة يتعرض لـ«تدمير ممنهج»، أسفر عن ارتقاء عشرات الصيادين واعتقال آخرين، إلى جانب خسائر اقتصادية فادحة تهدد أحد أهم مصادر الأمن الغذائي في القطاع.

وقال إن نحو 5 آلاف أسرة فلسطينية تأثرت بشكل مباشر، فيما تقترب الخسائر الإجمالية التي لحقت بالقطاع خلال عامين من الحرب من 700 مليون دولار، نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية، ومنع إدخال أي مركبات أو معدات بحرية، ما أجبر الصيادين على العمل في مساحات ضيقة وتحت تهديد دائم بالملاحقة.

وأشار بكر في تصريحات صحفية إلى أن الصيادين في غزة يعملون اليوم في ظروف تفتقر لأبسط مقومات الأمان، واصفًا واقعهم بأنه «عمل تحت الموت»، في ظل غياب الحماية واستمرار الاستهداف المباشر.

وفي توصيف لحجم الدمار، قال بكر إن أكثر من 95% من ممتلكات الصيادين دُمرت، بما في ذلك أكثر من ألف مركب صيد بمختلف أحجامها، إضافة إلى غرف الصيادين والمخازن في جميع الموانئ، مؤكدًا أنه لم يعد هناك أي قارب صالح للإبحار.

وبيّن أن ميناء غزة والموانئ الخمسة الممتدة على طول الساحل تعرضت لاستهداف مركز، طال الأرصفة والمخازن ومصانع الثلج وأسواق السمك ومحطات الطاقة، ما أدى إلى شلل شبه كامل في منظومة الصيد البحري، التي كانت تؤمّن الغذاء لملايين السكان.

وذكر بكر أن عدد الصيادين الذين استشهدوا منذ بداية الحرب تجاوز 230 صيادًا، بينهم 65 ارتقوا داخل البحر أثناء محاولتهم الصيد بقوارب صغيرة.

وأشار إلى أن الصيادين مُنعوا من دخول البحر بشكل شبه كامل لأكثر من عامين، وأن ما يجري حاليًا لا يمكن وصفه بالصيد، بل بمحاولات محدودة باستخدام قوارب صغيرة كانت مخصصة للتنزه، مؤكدًا أن الإنتاج السمكي لا يتجاوز 2% من مستواه الطبيعي قبل الحرب.
ودعا بكر إلى تحرك عاجل لحماية الصيادين من القتل والاعتقال، ووقف الاستهداف المستمر، تمهيدًا للبدء بعملية إعادة إعمار شاملة، تشمل توفير أكثر من ألف مركب جديد، وبناء غرف تخزين ومخازن، وتوفير رافعات لانتشال القوارب المدمرة من حوض الميناء.

وختم بالقول إن قطاع الصيد لا يشكل مصدر رزق لآلاف الأسر فحسب، بل يمثل أحد أعمدة الأمن الغذائي في غزة، محذرًا من أن استمرار إغلاق البحر سيؤدي إلى تضييق الخناق على الحياة اليومية للسكان بشكل غير مسبوق

أغلى السلع 
وفي الميدان، لا تتجاوز القدرة الإنتاجية الحالية 2% مما كانت عليه قبل الحرب، مع انخفاض الكميات اليومية المتاحة إلى نحو 300 كيلوغرام فقط، وهو رقم لا يلبي احتياجات مجتمع يعيش فيه أكثر من 1.8 مليون إنسان تحت تصنيف «الجوع الكارثي». ولم يعد غياب السمك من الأسواق تفصيلًا ثانويًا، إذ قفزت أسعاره بنحو 1400%، ليغدو من أغلى السلع الغذائية في القطاع.
في غزة، لم يعد البحر نافذة حياة كما كان، بل عنوانًا إضافيًا للحصار. وكل يوم يبقى فيه مغلقًا، تتقلص فرص العيش، ويتحول الصيد من مهنة إلى مخاطرة، ومن مصدر غذاء إلى شاهد على سياسة تجويع ممنهجة تطال الإنسان والمكان معًا.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير