شهد مدينة القدس المحتلة، وتحديداً المسجد الأقصى المبارك، تصعيداً خطيراً ومتدرجاً في سياسات الاحتلال الصهيوني، يتجلى بشكل واضح في الإعلان عن التوجه نحو تمديد ساعات اقتحام المستوطنين اليهود للمسجد الأقصى، بما يشمل فترات المساء، في خطوة تُعدّ تطوراً نوعياً في مسار فرض التقسيم الزماني، وتمهيداً لتغيير جذري في هوية المكان ووظيفته الدينية والتاريخية.
وجاء هذا التطور على لسان وزير العدل ونائب رئيس الوزراء في الحكومة الصهيونية، ياريف لافين، خلال مشاركته في إحياء الشمعة الثامنة والأخيرة لما يُسمّى بـ”عيد الأنوار العبري – الحانوكاه”، وذلك أمام باب المغاربة، أحد أبرز بوابات الاقتحام التي تستخدمها جماعات “الهيكل” المتطرفة.
وخلال كلمته، استعرض لافين ما وصفه بـ”الإنجازات” التي تحققت في المسجد الأقصى خلال السنوات الماضية، مؤكداً التزامه الشخصي باستكمال المسار عبر توسيع ساعات اقتحام وصلاة المستوطنين لتشمل ساعات المساء، بهدف إتاحة الاقتحامات بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية، وتوسيع قاعدة المشاركين فيها.
محاولات تشريعية قديمة
يقول زياد ابحيص المختص في الشأن المقدسي إن ما تسعى لفرضه حكومة الاحتلال المتطرفو يعكس هذا التعهد بوضوح أن الحكومة الحالية لا تتعامل مع اقتحامات الأقصى باعتبارها إجراءات أمنية مؤقتة، بل كجزء من مشروع سياسي–ديني متكامل، تعود جذوره إلى محاولات تشريعية قديمة.
وذكر ابحيص في تصريحات تنقلها "الرسالة نت" إنه في عامي 2012 و2013، حاول أعضاء كنيست من الحزب القومي الديني “المفدال” تمرير مشروع قانون ينص على التقسيم الزماني الكامل للمسجد الأقصى، بحيث يُفتح 9 ساعات يومياً لليهود، و9 ساعات للمسلمين، ويُغلق 6 ساعات ليلاً، مع تخصيص يوم الجمعة للمسلمين ويوم السبت لليهود، إضافة إلى منع المسلمين من دخول الأقصى خلال الأعياد اليهودية.
ويشير إلى أنه رغم فشل تمرير المشروع قانونياً آنذاك، إلا أن الاحتلال عمل لاحقاً على فرضه بالقوة على الأرض، وهو ما تجلّى بوضوح عام 2015، حين حاولت الحكومة الصهيونية تطبيق جوانب من هذا التقسيم، الأمر الذي شكّل أحد الأسباب المباشرة لانطلاق هبة السكاكين.
كما يؤكد الباحث والمختص في الشأن المقدسي وشؤون منظمات الهيكل، أن التعهدات الأخيرة تعكس انتقال المشروع من مرحلة التجريب إلى مرحلة التنفيذ المنهجي، موضحا أن مشروع التقسيم الزماني الذي طُرح عام 2012 بات اليوم أرضية العمل الفعلية التي تتحرك على أساسها الحكومة الصهيونية.
وأشار إلى أن الهدف المرحلي يتمثل في فرض تساوٍ كامل في أوقات الدخول بين المسلمين واليهود، باعتباره خطوة تمهيدية نحو مراحل أخطر، مبينا أن “التساوي الزماني” ليس هدفاً نهائياً، بل محطة انتقالية في مسار أوسع يهدف إلى “الإحلال التام ونفي الهوية الإسلامية عن المسجد الأقصى بالكامل”.
ولفت إلى أن منظمات الهيكل، بدعم حكومي مباشر، تنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها تراكماً ضرورياً للوصول إلى لحظة الحسم.
وتأتي هذه التطورات في وقتٍ كان فيه النظام الرسمي العربي يروّج لتطمينات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حول “الحفاظ على الوضع القائم”، ويعقد قممًا واجتماعات تحت عناوين “التهدئة في القدس”، خاصة خلال أعوام 2021 و2022، وصولاً إلى اجتماعي العقبة وشرم الشيخ الأمنيين عام 2023.
غير أن الوقائع على الأرض كانت تسير في الاتجاه المعاكس تماماً، حيث فرض الاحتلال اقتحامات “عيد الفصح التوراتي” خلال شهر رمضان، وشدّد الحصار على المسجد الأقصى، ووسّع ساعات الاقتحام تدريجياً.
فبعد أن كانت الاقتحامات لا تتجاوز ثلاث ساعات يومياً عند فرضها لأول مرة عام 2008، ارتفعت إلى ست ساعات وربع يومياً في عام 2024، واليوم يجري الحديث عن إدخال ساعات المساء ضمن جدول الاقتحامات، بما يشكل نقلة نوعية في السيطرة الزمنية على المسجد.
وتؤكد تصريحات نائب رئيس الوزراء الصهيوني، المنتمي إلى حزب الليكود، أن مشروع تقسيم المسجد الأقصى وتهويده ليس حكراً على ما يُسمّى بتيار “الصهيونية الدينية المتطرفة”، بل هو خيار استراتيجي تتبناه الحكومة الصهيونية بمختلف مكوناتها.
إن الخطر المحدق بالمسجد الأقصى ليس طارئاً، بل هو مسار متصاعد منذ عدوان الجندي الصهيوني ألان غودمان عام 1982 داخل قبة الصخرة، والذي أسفر عن استشهاد مصلّيين وجرح آخرين، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي تتخذ فيها عملية التهويد طابعاً شاملاً ومكشوفاً.
وأمام هذا التصعيد، تتأكد حقيقة أن ما يجري في المسجد الأقصى ليس نزاعاً على ترتيبات إدارية أو أوقات زيارة، بل معركة وجود وهوية، تستهدف تصفية الطابع الإسلامي للمكان، وفرض واقع جديد لا يمكن التراجع عنه إن تُرك دون مواجهة حقيقية.