حرب على التعليم: إغلاق المدارس واستهداف الأونروا في القدس وغزة

الرسالة نت - متابعة

شهدت القدس المحتلة خلال السنوات الخمس الماضية موجة متصاعدة من إغلاق المدارس الفلسطينية، في سياق سياسات إسرائيلية ممنهجة تستهدف محو الهوية الوطنية وإعادة تشكيل وعي الأجيال القادمة، مما أدى هذا التوجه إلى إيقاف تراخيص العديد من المدارس من قبل وزارة المعارف الإسرائيلية، نتيجة رفضها تدريس المنهاج الإسرائيلي أو المنهاج المحرّف الذي يهدف إلى محو المقررات التعليمية الوطنية الفلسطينية.
 إلى جانب ذلك، لعب شح الدعم المادي من السلطة الفلسطينية دورًا في تعميق الأزمة، فيما أُغلقت بعض المدارس أيضًا نتيجة القيود المفروضة على الأونروا، وأسباب إدارية أخرى، ما ترك آلاف الطلاب بلا مدارس فلسطينية.
ويشير خبراء فلسطينيون إلى أن معظم الطلاب الذين تأثروا بالإغلاق تم استقطابهم لاحقًا من قبل بلدية الاحتلال، وأصبحوا يدرسون اليوم وفق المنهاج الإسرائيلي، ما يشكل خطوة استراتيجية في إعادة صياغة التعليم في المدينة المحتلة بما يخدم مشروع الاحتلال على المدى الطويل.
 فالتدخل في التعليم ليس مجرد مسألة أكاديمية، بل يتعلق بالسيطرة على وعي الأطفال وتشكيل هويتهم الوطنية، بما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الارتباط بالهوية الفلسطينية.
وتتزامن هذه السياسات التعليمية مع حملة استهداف شاملة للأونروا، التي تعتبر العمود الفقري للتعليم والرعاية الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، خصوصًا في قطاع غزة. فقد أعلنت الوكالة أنها تتعرض منذ أكثر من عامين لحملة تضليل إعلامي وسياسي منسقة تهدف إلى تفكيكها، وبلغت هذه الحملة مستويات غير مسبوقة. وتتضمن هذه الحملة اتهامات مفادها أن الأونروا تحافظ على اللاجئين في حالة لجوء دائمة، وهو ما تصفه الوكالة بـ”الخرافة”، مؤكدة أن اللاجئين يبقون في وضعهم القانوني كلاجئين بسبب غياب حلول سياسية عادلة ودائمة.

ويشير مراقبون إلى أن استهداف الأونروا والمدارس الفلسطينية يشكل جزءًا من استراتيجية إسرائيلية متكاملة لإضعاف المؤسسات الوطنية الفلسطينية والحد من تأثيرها في صون الهوية الوطنية، سواء في القدس أو في قطاع غزة. ففي غزة، تعرضت الوكالة لضغوط إسرائيلية متزايدة خلال الحرب المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، شملت استهداف مقراتها ومرافقها الصحية والمدارس التابعة لها، ما أدى إلى حرمان آلاف اللاجئين من الخدمات الأساسية، مع تفاقم الحاجة إلى التعليم والرعاية الصحية بفعل النزوح والدمار.

وفي عام 2024، أقر الكنيست تشريعًا يحظر عمل الأونروا، وأبلغت إسرائيل الأمم المتحدة بإلغاء الاتفاقية الناظمة لعلاقة الاحتلال بالوكالة منذ عام 1967. كما اقتحم الجيش الإسرائيلي مقر الوكالة في القدس، وصادر ممتلكات ورفع العلم الإسرائيلي مكان علم الأمم المتحدة، في خطوة تعكس حزم الاحتلال في تحويل المؤسسات الإنسانية إلى أدوات سياسية، وفرض السيطرة على مسارات التعليم والخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين.

ويشكل إغلاق المدارس الفلسطينية واستهداف الأونروا جزءًا من محاولة متكاملة لإعادة هندسة البنية التعليمية والاجتماعية في القدس وغزة. فالمدارس التي أُغلقت كانت تشكل ملاذًا لتنشئة الأطفال وفق الهوية الوطنية الفلسطينية، أما استقطاب الطلاب للمنهاج الإسرائيلي فهو خطوة نحو “تهويد التعليم” ودمج الجيل الجديد في الرواية الرسمية للاحتلال. وفي قطاع غزة، يعزز تفكيك الأونروا من هشاشة الخدمات، ويزيد اعتماد السكان على أي ترتيبات مؤقتة أو محلية لا تحظى بالاعتراف الدولي، ما يهدد مستقبلهم التعليمي والاجتماعي.

ويخلص محللون إلى أن هذه السياسات لا تهدف فقط إلى السيطرة على التعليم، بل تستهدف قلب البنية الوطنية الفلسطينية، إذ يشكل التعليم والأونروا معًا خط الدفاع الأول عن الهوية، وعن الاعتراف الدولي بحق العودة للاجئين. أي تفكيك لهذه المؤسسات أو فرض المنهاج الإسرائيلي بشكل شامل سيؤدي إلى تمرير مشروع سياسي طويل الأمد لإضعاف الوجود الفلسطيني في القدس وفي قطاع غزة، بما يتيح للاحتلال فرض رؤيته وإعادة تعريف الحقوق الوطنية للفلسطينيين.

في ضوء هذه المعطيات، يبقى التعليم الفلسطيني في القدس وغزة ساحة مواجهة حقيقية بين الاحتلال والمحاولات الفلسطينية للحفاظ على الهوية الوطنية، فيما تشكل الأونروا آخر مظلة دولية قادرة على حماية حقوق اللاجئين وتأمين التعليم والخدمات الأساسية، وسط ضغوط إسرائيلية متصاعدة تهدف إلى تحويل هذه المؤسسات الإنسانية إلى أدوات تفرض منطق الاحتلال على الأجيال القادمة.