لم يعد الهجوم الإسرائيلي على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حدثًا عابرًا أو ردّ فعل ظرفيًا على تطورات ميدانية، بل بات جزءًا من استراتيجية سياسية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل ملف اللاجئين الفلسطينيين، عبر ضرب الإطار الدولي الذي يحمله ويحفظ استمراريته منذ أكثر من سبعة عقود. ففي خضم الحرب على قطاع غزة، تتقدّم معركة تفكيك الأونروا إلى الواجهة، باعتبارها إحدى ساحات الصراع على الرواية والحقوق والشرعية الدولية.
تحذير الأونروا من تعرضها منذ أكثر من عامين لحملة تضليل إعلامي منسقة، بلغت “مستويات غير مسبوقة”، يكشف أن ما يجري يتجاوز حدود النقد السياسي أو الخلاف حول آليات العمل، ليصل إلى محاولة منهجية لنزع الشرعية عن الوكالة بوصفها مؤسسة أممية، تمهيدًا لإنهاء وجودها القانوني والوظيفي، خصوصًا في قطاع غزة.
وتستند هذه الحملة، وفق الوكالة، إلى إعادة إنتاج “خرافات” قديمة، أبرزها الادعاء بأن الأونروا تُبقي اللاجئين الفلسطينيين في حالة لجوء دائمة. غير أن هذا الطرح، في جوهره، يعكس محاولة إسرائيلية لإزاحة البعد السياسي لقضية اللاجئين وتحويلها إلى مسألة إدارية أو إنسانية قابلة للإلغاء بقرار مالي أو تشريعي. فالأونروا، كما تؤكد الوكالة، لا تصنع اللجوء، بل تتعامل مع نتائجه في ظل غياب حل سياسي عادل ودائم، وهو غياب تتحمل “إسرائيل” مسؤوليته المباشرة منذ نكبة عام 1948.
سياسيًا، تمثل الأونروا أكثر من مجرد جهة إغاثية؛ فهي التجسيد العملي لاعتراف المجتمع الدولي باستمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبمسؤوليته عن إيجاد حل لها. ومن هنا، فإن استهدافها ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية الساعية إلى تفكيك منظومة المرجعيات الدولية التي تُبقي ملف اللاجئين حاضرًا في أي نقاش سياسي حول مستقبل الصراع.
وقد تعزز هذا التوجه بشكل لافت خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين انتقلت تل أبيب من خطاب التشكيك في حيادية الأونروا إلى هجوم مباشر عليها سياسيًا وعسكريًا وتشريعيًا. فالاتهامات التي وُجهت للوكالة بدعم “أنشطة معادية” وتوظيف عناصر مسلحة، رغم نفيها المتكرر، شكّلت الغطاء السياسي لتصعيد أوسع استهدف منشآتها ومقارها، لا سيما المدارس والمراكز الصحية التي تحولت إلى ملاجئ لمئات آلاف النازحين.
ميدانيًا، أدى استهداف منشآت الأونروا في غزة إلى إضعاف إحدى أهم شبكات الحماية الإنسانية في القطاع، في وقت يشهد فيه السكان انهيارًا شبه كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية. لكن الأخطر من ذلك أن هذا الاستهداف جاء متوازيًا مع محاولة تعطيل دور الوكالة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بما يفتح الباب أمام فرض ترتيبات جديدة تتجاوز المرجعية الأممية، وتعيد صياغة المشهد الإنساني والسياسي في القطاع.
وفي عام 2024، دخلت “إسرائيل” مرحلة أكثر تقدمًا في هذا المسار، عبر إقرار الكنيست تشريعًا يحظر عمل الأونروا، وإبلاغ الأمم المتحدة رسميًا بإلغاء الاتفاقية الناظمة لعلاقة الاحتلال بالوكالة منذ عام 1967. ويعكس هذا التحول انتقال الاستهداف من مستوى الضغط إلى مستوى القطيعة القانونية والسياسية مع إحدى مؤسسات الأمم المتحدة، في سابقة تحمل دلالات خطيرة على علاقة “إسرائيل” بالمنظومة الدولية ككل.
وتزامن ذلك مع اقتحام الجيش الإسرائيلي مقر الأونروا الرئيسي في القدس المحتلة، ومصادرة ممتلكاته ورفع العلم الإسرائيلي بدلًا من علم الأمم المتحدة، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن الاحتلال لم يعد يعترف بأي حصانة دولية حين يتعلق الأمر بمؤسسات تمس جوهر مشروعه السياسي.
في قطاع غزة، تتجلى أهداف هذا الاستهداف بصورة أكثر وضوحًا. فغزة تضم الكتلة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين، وتشكل الأونروا فيها العمود الفقري للتعليم والصحة والإغاثة. وبالتالي، فإن تفكيك الوكالة في القطاع لا يعني فقط حرمان السكان من الخدمات، بل إعادة تعريفهم سياسيًا بوصفهم “سكانًا بلا صفة قانونية”، في محاولة لفصلهم عن قضية اللاجئين وحق العودة.
ويرى محللون أن ما تسعى إليه “إسرائيل” هو إحداث قطيعة بين البعد الإنساني والبعد السياسي لقضية اللاجئين، عبر إنهاء المؤسسة التي تربط بينهما، واستبدالها بترتيبات إغاثية مؤقتة أو محلية تفتقر إلى الغطاء القانوني الدولي. وهو ما يفسر إصرار الأونروا على التأكيد أن تفكيكها لن يُنهي صفة اللجوء، بل سيضاعف معاناة اللاجئين، خصوصًا الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة.
في ظل هذه المعطيات، تبدو معركة الأونروا جزءًا لا يتجزأ من معركة أوسع على مستقبل القضية الفلسطينية. فاستهداف الوكالة لا ينفصل عن محاولات تصفية حق العودة، وإعادة هندسة الحلول السياسية بما يتجاوز قرارات الشرعية الدولية. وبينما تتواصل الحرب على غزة، تتخذ هذه المعركة طابعًا حاسمًا، إذ لم يعد الصراع يدور فقط حول الأرض أو الأمن، بل حول من يملك تعريف الفلسطيني وحقوقه ومستقبله..