لم تعد سارة موسى (5 سنوات) ترى العالم كما يعرفه الأطفال، ولم تعد تميّز الوجوه ولا الألوان، ولا تعرف إن كان النهار قد أقبل أم أن الليل ما زال طويلًا، كلّ ما تبقّى لها الآن… العتمة فقط.
أصيبت سارة بطلقة نارية من طائرة «كواد كابتر» في قصف إسرائيلي على غزة استهدفت رأسها مباشرة، فأحدثت تهتكًا شديدًا في عظم الجمجمة، وتسببت بـ استسقاء دماغي وضغط خطير على الدماغ، ما أدى إلى فقدان معظم قدرتها على الإبصار.
الرصاصة لم تُصِب العينين فقط، بل أصابت المسارات العصبية الدقيقة التي تنقل الصورة من العين إلى الدماغ، فانهارت الرؤية من داخلها.
الأطباء اضطروا إلى تركيب أنبوب تصريف خارجي في رأسها لمنع تراكم السوائل ودخولها في غيبوبة. لكن جسد الطفلة الصغير لم يحتمل تبعات الإصابة. تعاني سارة اليوم من تقيؤ متكرر، وارتفاع حاد في درجات الحرارة، والتهابات شديدة وصديد في الرأس، إلى جانب صعوبة كبيرة في النطق وعدم القدرة على الكلام بشكل طبيعي، فضلًا عن تدهور واضح في حالتها النفسية.
حالـتها الصحية حرجة للغاية، وهي مهددة في أي لحظة بفقدان بصرها بشكل كامل، وربما بتداعيات أخطر قد تطال الدماغ نفسه. ورغم الجهود الطبية، فإن النقص الحاد في الإمكانيات والمعدات حال دون التدخل المتقدم الذي قد ينقذ ما تبقّى من نظرها.
في وجه سارة، تبدو عينان جميلتان واسعتان، لا تزالان تحاولان الإمساك بشيءٍ من العالم، ووجه طفولي بريء، لم يعرف من الحياة سوى اللعب.
ورأسٌ حُلِق شعره بسبب الإصابة، مرتبط بأنابيب طبية كثيرة، بدل ضفائر وبكلات الشعر التي تتباهى بها البنات في عمرها.
حين تحاول سارة أن تتكلم، تخرج الكلمات متعبة، لكن جملة واحدة ما زالت واضحة، تهمس بها كلما فتحت عينيها نحو الضوء:
«نفسي أشوف… أمانة يا رب».
لا تطلب معجزة،ولا تطلب أكثر من حقٍ بسيط: أن ترى.
سارة بحاجة ماسة وعاجلة للعلاج خارج قطاع غزة، قبل أن تُغلق نافذة الأمل الأخيرة، وقبل أن تتحول العتمة من حالة مؤقتة إلى قدر دائم.