في زاويةٍ من العالم تُسحقُ فيها الأسماءُ تحتَ أحذيةِ الدبابات، يخرجُ الظلُّ الوحيدُ من بين شظايا المنازل، يحملُ في يده اليمنى عبوةً بحجم كفٍّ عارٍ، وفي اليسرى قبضةً من ترابٍ اختلطَ بدماءِ الأطفال.
المشهد الأول: سماءٌ تقطرُ خوفاً
تئنُّ سماءُ خانيونس تحت وطأة طائراتٍ لا تملُّ من صيدِ الأجساد العارية. رائحةُ البارودِ تخنقُ الهواء، لكنَّ رجلاً يتنفسُ ببطءٍ، كأنَّ رئتيهِ تعرفانِ سرَّ الاختفاء. هو ليسَ جندياً مدججاً، بل جسدٌ هزيلٌ يلفُّه ثوبٌ ممزق، لكنَّ عينيهِ تشعانِ بنارٍ أقسى من كلِّ الحروب.
المشهد الثاني: الوحش الحديدي
تزمجرُ ناقلةُ "البوما" كوحشٍ أسطوري، تطحنُ الأرضَ تحتَ جنازيرها، ويحتمي بداخلها سبعةُ جنودٍ يعتقدونَ أنهم محميونَ بقوانينِ الفيزياء والحديد. لكنَّ المقاوِمَ يعرفُ سرَّها الأعمق: إنَّ كلَّ دروعِ العالمِ لا تقوى على صدِّ روحٍ جائعة.
لقطة مقرّبة: الثواني التي هزّت التاريخ
بخطواتٍ كأنها تُحسبُ بنبضاتِ قلبِ غزةَ نفسها، يقتربُ الظلُّ. لا أجهزةُ إنذارٍ تطلقُ صفيراً، لا جنودُ الاحتلالِ يرونَ شيئاً.. فقط ذراعٌ نحيلةٌ ترمي العبوةَ ببراعةِ رامٍ عاشَ كلَّ حياتهِ يرمي الأحلامَ في سلةِ المهملات.
صوت الانفجار:
"إيما!" صرخةٌ عبريةٌ تذوبُ في دويِّ الانفجار. الدخانُ يتصاعدُ كشبحٍ يركصُ فوقَ الحطام، والدمُ يختلطُ بزيتِ المدرعةِ المحطمة. المشهدُ ليسَ دماً فحسب، بل انهيارُ نظريةِ الأمان الإسرائيليةِ كاملةً. القناةُ 14 العبريةُ تذيعُ الخبرَ بلهفةِ من يكشفُ فضيحة: "المركبةُ لا تحمي!".. وكأنما المقاوِمَ لم يقتلْ سبعةً فقط، بل طعنَ أسطورةَ الجيشِ الذي لا يُقهَر.
المشهد الأخير: عودةُ الظلِّ إلى الركام
يختفي البطلُ كما ظهرَ، تاركاً خلفه جثثَ المحتلينَ وصمتاً ثقيلاً. لا أحدَ يعرفُ اسمه، ربما هو "أبو أحمد" الذي فقدَ ابنه تحتَ الأنقاض، أو "أبو ليلى" الذي تُسرقُ منه دقائقُ النومِ بأصواتِ القصف. لكنَّ الاسمَ لا يهمُّ.. المهمُّ أنَّ يداً من غزةَ المحاصرةِ قد كسرتْ قفازَ القوةِ بضربةٍ كُتبتْ بحروفٍ من جوعٍ وكبرياء.
التعليق الأخير: الكاميرا تلتقطُ ما وراء الدم
في الزاويةِ البعيدةِ من الصورة، حيثُ لا ترى الكاميراتُ، تقفُ أمٌّ تمسكُ رغيفَ خبزٍ متعفناً، تبتسمُ للخبرِ في المذياع. هي تعرفُ أنَّ الانتصارَ ليسَ دائماً بالطعامِ أو الدواء.. أحياناً يكونُ بصمودِ ظلٍّ واحدٍ يرفضُ أن ينكسر.
هذه ليستْ عمليةً عسكرية.. هذه لوحةٌ مرسومةٌ بأناملِ الجوعِ والألم، عنوانها:
"حين بقتلون كلُّ الأسلحة.. يبقى السلاحُ الأخير.. الحق في يد مقاوم".