لم يعد المرض في قطاع غزة مجرد حالة صحية عابرة، بل تحوّل إلى عبء يومي يلازم الغزيين في خيامهم، وعلى ركام منازلهم المدمّرة، وفي طرقات تغمرها مياه الصرف الصحي.
فايروسات تنفسية حادة، تشبه في أعراضها وبطول بفايروس كورونا، باتت تمتد لأسابيع، تُنهك الأجساد، وتستنزف المناعة، وتدفع مئات المرضى يوميًا نحو مستشفيات متهالكة لم تتعافَ أصلًا من آثار الحرب. سعال جاف، ارتفاع مستمر في درجات الحرارة، ضيق في التنفس، إسهال وقيء متواصل، وإرهاق شديد لا يرحم أطفالًا ولا مسنين، في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الوقاية والعلاج.
في هذا المشهد الصحي القاتم، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة عن استئناف حملة التطعيم الاستدراكية لتعزيز البرنامج الوطني لتطعيم الأطفال دون سن الثالثة، اعتبارًا من امس الأحد ولمدة عشرة أيام متواصلة في جميع محافظات القطاع، في محاولة لاحتواء تفاقم الأوبئة وحماية الفئات الأضعف من الانهيار الصحي المتسارع.
وقالت الوزارة في بيان صحفي نقلته "الرسالة نت" إن الحملة تُنفّذ بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ومنظمة الصحة العالمية، ضمن جهود مشتركة تهدف إلى تعزيز المناعة المجتمعية والحد من انتشار الأمراض المعدية، لا سيما في ظل الاكتظاظ السكاني وسوء الأوضاع البيئية.
وأوضحت الوزارة أن الحملة ستشمل 130 مركزًا صحيًا تابعًا لوزارة الصحة والأونروا والهلال الأحمر الفلسطيني، إضافة إلى عدد من المؤسسات الأهلية والدولية العاملة في القطاع، لضمان الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الأطفال الذين حُرموا من استكمال جرعاتهم الأساسية بسبب الحرب والنزوح المتكرر.
ودعت الوزارة المواطنين إلى التعاون مع الطواقم الصحية، واصطحاب أطفالهم لاستكمال الجرعات المفقودة من اللقاحات، مؤكدة ضرورة إحضار بطاقة التطعيم إن وُجدت، لضمان تسجيل الجرعات بدقة ضمن السجلات الصحية المعتمدة، ومشددة على أن التطعيم يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة الأوبئة، خاصة في ظل الظروف الإنسانية والصحية الصعبة.
في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، تبدو الأزمة أوضح ، كما يقول رئيس قسم الاستقبال والطوارئ الدكتور معتز حرارة في تصريح صحفي، إن القسم يستقبل خلال الأسبوعين الماضيين ما يزيد عن 500 مريض يوميًا، نحو 200 منهم يعانون أمراضًا تنفسية حادة، تتراوح أعراضها بين ارتفاع شديد في الحرارة، وضيق التنفس، والإرهاق، والسعال وآلام الصدر، إضافة إلى الإسهال والقيء المتواصل.
ويشير الدكتور حرارة إلى أن تفاوت شدة الأعراض بين المرضى يعود بالدرجة الأولى إلى مستوى المناعة، فبعض الحالات تتجاوز المرض خلال أيام، بينما تحتاج حالات أخرى إلى مبيت في المستشفى، لا سيما أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن، وفي بعض الأحيان تُنقل الحالات الحرجة إلى أقسام العناية المشددة إذا لم تتحسن نسبة تشبّع الأكسجين في الدم.
ورغم الانتشار الواسع لهذه الأمراض، لم تتمكن وزارة الصحة من تحديد طبيعة الفايروسات المنتشرة، بسبب نقص الإمكانيات المخبرية وأدوات التشخيص.
ويوضح الدكتور حرارة أن "الأعراض ليست أعراض إنفلونزا موسمية اعتيادية، ولا كورونا، لكنها أشد وطأة، ودون أدوات تشخيص دقيقة لا يمكن الجزم بطبيعة الفايروس".
ويحذر من ظهور أمراض لم تكن شائعة بهذه الوتيرة، مثل مرض "الليبتوسبيروز"، وهو عدوى بكتيرية تنقلها القوارض، كانت تُسجّل إصابة واحدة كل عدة أعوام، بينما بات المستشفى يسجّل حالتين أو ثلاثًا كل شهرين، في مؤشر واضح على التدهور البيئي والصحي.
كما سُجّلت خلال الشهر الماضي نحو 20 حالة من "الشلل الرخو الحاد"، وهو رقم غير مسبوق مقارنة بالأعوام السابقة، ما يصفه الأطباء بأنه مؤشر خطير على تراجع الصحة العامة، في ظل منظومة صحية منهكة لا تمتلك القدرة الكافية على التشخيص أو المتابعة.
ويؤكد الأطباء أن النقص لا يقتصر على الأجهزة، بل يشمل أبسط الفحوصات المخبرية، وتحاليل الدم، والأدوية الأساسية، حيث تُضطر المستشفيات إلى ترشيد استخدام المضادات الحيوية والمسكنات، واللجوء إلى بدائل مخصصة لأمراض أخرى.
وخارج أسوار المستشفيات، يبدو طريق الوصول للعلاج بحد ذاته محفوفًا بالمخاطر،مرضى يقفزون فوق برك الصرف الصحي، وأطفال حفاة يخرجون من خيام مهترئة لا تقيهم برد الشتاء ولا خطر المرض، ووجوه متعبة تختبئ خلف كمامات أعادت إلى الذاكرة مشاهد الوباء العالمي.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو حملات التطعيم الاستدراكية محاولة إنقاذ عاجلة، في سباق مع الزمن، لحماية جيلٍ كامل من الأطفال من دفع ثمن حربٍ لم تكتفِ بتدمير الحجر، بل امتدت لتنهك الجسد أيضًا.