تشكّل قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحا في السياق الفلسطيني، لما تنطوي عليه من انتهاكات جسيمة تطال آلاف الرجال والنساء والأطفال، في خرق صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني والمواثيق الحقوقية.
فالأسرى ليسوا أرقاما، بل ضحايا سياسات قمعية ممنهجة تستهدف كرامتهم الإنسانية وحقوقهم الأساسية.
وفي ظل التصعيد المستمر وسياسات الاعتقال الواسعة، باتت السجون الإسرائيلية مسرحا لجرائم منظمة، تشمل التعذيب الجسدي والنفسي والإهمال الطبي والتجويع وحرمان الأسرى من أبسط مقومات الحياة.
وتكشف المعطيات الصادرة عن مؤسسات الأسرى حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها المعتقلون، خاصة في ظل غياب أي رقابة دولية فاعلة.
أرقام تعكس الجريمة
وأفادت مؤسسات الأسرى أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي تجاوز 9350 أسيرا ومعتقلا حتى بداية شهر كانون الثاني/ يناير 2026، في مؤشر خطير على اتساع حملات الاعتقال الجماعية.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل استمرار العدوان وسياسات العقاب الجماعي بحق الشعب الفلسطيني.
وتشير المعطيات إلى وجود 53 أسيرة فلسطينية، بينهن طفلتان، في ظروف احتجاز قاسية تفتقر إلى الخصوصية والرعاية الصحية، إضافة إلى نحو 350 طفلا معتقلا، يتركز احتجازهم في سجني مجدو وعوفر.
ووصفت المؤسسات هذه الظروف بأنها تنتهك بشكل فاضح اتفاقية حقوق الطفل، التي تكفل حماية خاصة للأطفال في أوقات النزاع.
كما ارتفع عدد المعتقلين الإداريين، المحتجزين دون تهمة أو محاكمة، إلى 3385 معتقلًا، ما يعكس استخدام الاحتلال لهذه السياسة كأداة انتقامية، بعيدًا عن أي معايير قضائية عادلة.
وإلى جانب ذلك، يواصل الاحتلال احتجاز 1237 معتقلًا تحت ما يسمى قانون “المقاتلين غير الشرعيين”، في تصنيف يخالف القانون الدولي ويُستخدم لتجريد الأسرى من حقوقهم الأساسية.
ويعاني الأسرى الفلسطينيون من حرمان ممنهج من الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية داخل السجون، حيث تفرض إدارة السجون سياسات تقشف وتجويع متعمدة.
ووفق مكتب إعلام الأسرى، يتعرض نحو 2000 أسير من قطاع غزة للتعذيب وسوء المعاملة، رغم وقف إطلاق النار، بعد اعتقال أكثر من 14 ألف مواطن منذ بدء الحرب.
وتشمل هذه السياسات تقديم وجبات غذائية شحيحة وغير كافية، ما أدى إلى فقدان ملحوظ في أوزان الأسرى وتدهور أوضاعهم الصحية، خاصة المرضى والجرحى.
كما يُحرم الأسرى من الأغطية والفرشات لساعات طويلة، ويُحتجزون في أقسام تفتقر لأبسط شروط التهوية والنظافة.
أما على الصعيد الصحي، فيُمارس الإهمال الطبي بشكل ممنهج، حيث يُحرم الأسرى من العلاج المناسب، وتُؤجل الفحوصات الطبية، ما تسبب في تفاقم أمراض مزمنة وانتشار أمراض جلدية حادة نتيجة منع الاستحمام ومواد النظافة الشخصية.
انتهاكات دينية ونفسية
ولم تقتصر الانتهاكات على الجوانب المعيشية والصحية، بل طالت أيضًا الحقوق الدينية والنفسية للأسرى. إذ تمنع الصلاة الجماعية، وتصادر المصاحف، وتقيد أوقات الفورة، في محاولة لكسر الروح المعنوية للأسرى والنيل من هويتهم الدينية والوطنية.
وأكدت مؤسسات الأسرى أن هذه الممارسات أسفرت عن استشهاد 51 أسيرًا منذ 7 أكتوبر 2023، إضافة إلى عشرات مجهولي المصير، في ظل تعتيم إعلامي وغياب الشفافية بشأن مصيرهم.
وتشهد السجون الإسرائيلية اقتحامات متكررة لأقسام الأسرى، تنفذها وحدات خاصة بأساليب قمعية وغير إنسانية، تشمل الاعتداء الجسدي واستخدام الكلاب البوليسية وتفتيش الغرف بشكل تخريبي ومصادرة المقتنيات الشخصية. وتعد هذه الاقتحامات وسيلة لإرهاب الأسرى وكسر أي حالة تنظيمية داخل الأقسام.
وفي هذا السياق، أكدت حركة حماس أن ما يتعرض له الأسرى يشكل جريمة إنسانية مكتملة الأركان، مشيرة إلى أن التفاخر العلني بهذه الممارسات من قبل مسؤولي الاحتلال يمثل تحديًا صارخا للإنسانية وللقوانين الدولية.
وتكشف أوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال عن واقع مأساوي يتطلب تحركا عاجلا من المجتمع الدولي. فالصمت المستمر إزاء هذه الجرائم يشجع الاحتلال على المضي في سياساته القمعية دون رادع.
وعليه، فإن حماية الأسرى ووقف الانتهاكات بحقهم مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على عاتق الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية الدولية، بما يضمن محاسبة الاحتلال وإلزامه باحترام اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.