التنسيق الذي خنق الضفة

كيف كبّلت أجهزة السلطة المقاومة وحوّلت عام 2025 إلى “عام أمان” لجيش الاحتلال ومستوطنيه؟

كيف كبّلت أجهزة السلطة المقاومة وحوّلت عام 2025 إلى “عام أمان” لجيش الاحتلال ومستوطنيه؟
كيف كبّلت أجهزة السلطة المقاومة وحوّلت عام 2025 إلى “عام أمان” لجيش الاحتلال ومستوطنيه؟

رام الله– متابعة الرسالة نت 

في الوقت الذي كانت فيه مدن الضفة الغربية المحتلة تتعرض لاقـتحامات يومية، ومخيماتها تُحاصر، ومنازلها تُهدم، وآلاف الشبان يُزجّ بهم في السجون، كانت صورة أخرى تتشكل خلف الكواليس: تنسيق أمني غير مسبوق بين أجهزة السلطة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، وصفه الأخير بأنه “عالي المستوى بشكل استثنائي”، واعتبره أحد أهم أسباب “الهدوء الأمني” الذي نعم به مستوطنوه خلال عام 2025.

المفارقة الصادمة أن هذا “الهدوء” لم يكن نتيجة تراجع القمع أو تخفيف العدوان، بل نتيجة تضييق الخناق على أي فعل مقاوم فلسطيني، عبر حملات ملاحقة واعتقال وتجفيف مصادر السلاح والملاحقة الاستخبارية، الأمر الذي انعكس مباشرة على تراجع العمليات ضد الاحتلال بنسبة 78%، وفق أرقام الجيش الإسرائيلي نفسه.

وبينما كان الفلسطيني يدفع الثمن اعتقالًا ومطاردة، كان الاحتلال يحصد النتائج استقرارًا أمنيًا وحماية لمستوطنيه.

معطيات قيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، التي نُشرت مطلع 2026، رسمت صورة واضحة لحجم التحول خلال العام الماضي:

▪️انخفاض العمليات ضد أهداف إسرائيلية بنسبة 78% مقارنة بعام 2024

▪️تراجع استخدام الأسلحة النارية بنسبة 86%

اعتقال نحو 3500 فلسطيني (زيادة تتجاوز 25%)

▪️ضبط 1370 قطعة سلاح

▪️مصادرة 17 مليون شيكل بزعم أنها “أموال مقاومة”

لكن اللافت في هذه الأرقام ليس فقط التراجع الكبير في العمل المقاوم، بل ما قاله مسؤولو الجيش صراحة، أن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة “شريك ضروري للاستقرار”، وأنها تعيد مستوطنين دخلوا مناطق السلطة، وتنقل أسلحة تمت مصادرتها، وتبلّغ عن نوايا لتنفيذ عمليات، وتمنع الاحتكاك الميداني قبل وقوعه.

وهو توصيف يقترب من اعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الإسرائيلية نفسها.

الضفة تحت القبضة المزدوجة

ميدانيًا، عاش الفلسطينيون في 2025 تحت ما يصفه نشطاء بـ”القبضة المزدوجة”، فمن جهة، اقتحامات إسرائيلية يومية، واغتيالات، وتدمير للبنية التحتية. ومن جهة أخرى، ملاحقات داخلية واستدعاءات واعتقالات سياسية ومصادرة سلاح ومنع أي نشاط مقاوم.

في كثير من المدن، لم يعد الشبان يخشون فقط مداهمة الاحتلال ليلًا، بل باتوا يخشون أيضًا الاعتقال قبل ذلك بساعات عبر الأجهزة الأمنية المحلية.

وبحسب شهادات عائلات وأسرى محررين، فإن “باب البيت قد يُطرق مرتين: مرة من الأمن الفلسطيني، ومرة من الجيش الإسرائيلي”.

حماية غير مباشرة للمستوطنين

وبينما كانت العمليات تتراجع، سجّلت اعتداءات المستوطنين قفزة معاكسة، فمعطيات الجيش الإسرائيلي نفسه تشير إلى ارتفاع الجرائم القومية للمستوطنين بنسبة 25%، ووجود نحو 300 مستوطن متطرف يقودون الاعتداءات، إلى جانب “فشل مستمر” في محاسبتهم.

بمعنى آخر، في الوقت الذي تم فيه تشديد القبضة على الفلسطينيين وتجفيف أي فعل مقاوم، تُرك المستوطنون يمارسون العنف بحرية شبه كاملة.

ويرى مراقبون أن نتيجة هذه المعادلة كانت واضحة، تراجع الخطر على المستوطن، وتراجع قدرة الفلسطيني على الدفاع عن نفسه.

“الاستقرار” كما يراه الاحتلال

لغة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كانت صريحة إلى حد غير مسبوق، فهي لم تكتفِ بالإشادة بالتنسيق، بل اعتبرت أن غيابه كان سيجعل “الصورة الأمنية مختلفة تمامًا”.

هذا التصريح يكشف أن الاحتلال لا ينظر للتنسيق كعامل ثانوي، بل كركيزة أساسية في ضبط الضفة.

ويرى محللون أن عام 2025 شكّل نموذجًا لما يسميه الإسرائيليون “الإدارة منخفضة التكلفة للاحتلال”: أجهزة فلسطينية تلاحق المقاومين، بينما الاحتلال يقتحم عند الحاجة، فيما المستوطن يتمدد بأمان، من دون مواجهة شاملة أو كلفة بشرية إسرائيلية مرتفعة.

الثمن الفلسطيني

على الأرض، لم يكن هذا “الهدوء” مجانيًا، فخلال العام نفسه، تم توثيق 240 شهيدًا برصاص الاحتلال  وآلاف المعتقلين، وتدمير واسع للمخيمات، واستمرار التوسع الاستيطاني، وتصاعد اعتداءات المستوطنين.

أي أن الفلسطيني خسر الأمن والحرية معًا، بينما حصل الاحتلال على الاثنين.

داخل الضفة، يتزايد الجدل الشعبي والسياسي حول دور الأجهزة الأمنية، خاصة مع تواتر شهادات عن إحباط خلايا مقاومة، ومصادرة أسلحة، وتسليم مطلوبين أو معلومات للاحتلال.

ويقول ناشطون إن المشكلة لم تعد في “وجود تنسيق”، بل في تحوّله إلى وظيفة يومية لإدارة المشهد الأمني لصالح الاحتلال.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير