مع تسلّم الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، جثة آخر أسير لديه في قطاع غزة، أُسدل الستار رسميًا على المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بعد أسابيع من التنفيذ المتدرّج لبنوده.
لكن نهاية المرحلة لم تكن مجرد محطة إجرائية في ملف تبادل الأسرى، بقدر ما تحوّلت إلى اختبار سياسي وأخلاقي للطرفين: من التزم فعلًا بنص وروح الاتفاق؟ ومن استخدمه تكتيكًا مؤقتًا فقط؟
المحصلة الميدانية تبدو واضحة، فالمقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، أنجزت كل ما عليها حرفيًا، فيما تعاملت "إسرائيل" مع الاتفاق بانتقائية ومماطلة، وبدأت عمليًا في تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي يفترض أن تُنهي الحرب لا أن تُجمّدها.
الاتفاق الذي جرى تنفيذه لم يكن تفاهمًا جزئيًا أو صفقة موضعية، بل جاء ضمن إطار سياسي أوسع رعته الولايات المتحدة ومصر وقطر، وجرى تداوله في وسائل الإعلام الدولية بوصفه جزءًا من مبادرة أمريكية لوقف الحرب، عُرفت إعلاميًا بـ«خطة ترامب/الإطار الأمريكي لوقف إطلاق النار»، والتي وقّع الطرفان على خطوطها العامة عبر الوسطاء.
تنفيذ حرفي رغم الكلفة
منذ اليوم الأول، تعاملت المقاومة مع الاتفاق باعتباره التزامًا ملزمًا لا مناورة، فعلى الأرض سلّمت الأسرى الأحياء ضمن الجداول الزمنية المحددة، وكشفت مصير جثث الأسرى وسلّمتها تباعًا.
كما حافظت على وقف إطلاق النار رغم الخروقات، ونسّقت مع الوسطاء بشفافية كاملة. وحتى في الظروف الأكثر تعقيدًا — من قصف متكرر، وانقطاع طرق، ودمار واسع — استمرت عمليات التسليم دون تعطيل.
هذا الانضباط لم يكن تقنيًا فقط، بل سياسيًا أيضًا؛ إذ بدا واضحًا أن المقاومة أرادت نزع أي ذريعة يمكن أن يستخدمها الاحتلال للتهرب من استحقاقات المرحلة التالية.
تنفيذ انتقائي
في المقابل، اتسم الأداء الإسرائيلي بما يمكن وصفه بـ«التطبيق الانتقائي»، حيث استمرار القصف والاستهداف في مناطق متفرقة، وعرقلة دخول المساعدات بالكميات المتفق عليها، ورفض فتح معبر رفح، وتأخير الانسحابات الميدانية، والأهم: تعطيل المفاوضات الجدية للمرحلة الثانية.
فبينما تنص الخطة الأمريكية والإطار السياسي المصاحب للاتفاق على أن المرحلة الثانية تقود إلى وقف دائم للحرب وإعادة انتشار وانسحاب أوسع وترتيبات إنسانية طويلة الأمد، تبدو حكومة نتنياهو غير مستعدة لدفع هذا الثمن سياسيًا.
تقارير إعلامية إسرائيلية كشفت مرارًا عن ضغوط من أحزاب اليمين المتطرف التي ترفض إنهاء الحرب، ما جعل الحكومة تتعامل مع الاتفاق كأداة لاستعادة الأسرى فقط، لا كمسار لإنهاء العدوان، أي أن تل أبيب أرادت مكاسب المرحلة الأولى دون التزامات المرحلة الثانية.
ما بعد المرحلة الأولى
يمكن القول إن سلوك المقاومة أعاد تعريف صورتها في هذا الملف باعتبارها طرفًا منضبطًا في اتفاق دولي، فيما ظهرت "إسرائيل" كطرف يفتقر للموثوقية حتى في اتفاق رعته واشنطن نفسها.
انتهاء المرحلة الأولى لا يعني انتهاء الأزمة، بل بداية لحظة حاسمة: إما أن يضغط الوسطاء — خصوصًا واشنطن — لإلزام "إسرائيل" بتنفيذ جوهر خطتها والانتقال للمرحلة الثانية، وإما أن يتحول الاتفاق إلى هدنة مؤقتة بلا أفق سياسي، ما يعني عمليًا إعادة إنتاج الحرب.
وهنا تحديدًا تتجلى المفارقة: الخطة التي وُصفت بأنها «أمريكية» ووافقت عليها إسرائيل نفسها، أصبحت اليوم رهينة الحسابات الداخلية لحكومة الاحتلال.
ومع تسليم آخر جثة أسير اليوم، يمكن تسجيل خلاصة واضحة: المقاومة أنهت ما عليها بالكامل، والاحتلال وحده من يؤخر إنهاء الحرب، ما يضع على عاتق أمريكا و الوسطاء واجب القيام بدورهم وعدم الاكتفاء بإدانة المماطلة الإسرائيلية.