يمسك الطفل محمود الجولاني، الذي لا يتجاوز عمره تسع سنوات، معولًا أكبر من يديه، ويضرب جدران منزله.
تتهاوى الحجارة شيئًا فشيئًا، كأن البيت يشيّع نفسه بنفسه. شقيقه الأصغر يقف إلى جانبه، يرفع المعول أيضا ويُنزله بتردّد، يقلّد أخاه أكثر مما يفهم ما يجري، بينما يتساءل العابر: لماا يفعل الطفلان هكذا؟!
والإجابة، ببساطة قاسية: لأن الاحتلال أجبرهما على ذلك.
يقول محمود: أخبرتني أمي أننا سنذهب إلى بيتٍ أجمل.
كان وجهها يؤلم النظر، مكسورًا، تحاول أن تُخفي الحقيقة بجملة صغيرة. لم أفهم القصة حينها؛ لكني عرفت لاحقا أن الاحتلل سيغرمنا ٢٠٠ ألف شيكل لو لم نفعل ذلك بانفسنا!
القصة أن الجنود جاؤوا، وقفوا عند الباب، وأمروا فقط: اهدموا البيت. هكذا، بلا شرح، بلا وقت للبكاء، وبلا حق في الرفض.
ربما ستُحفر هذه الذكرى في عقل محمود وشقيقه إلى الأبد. كيف لطفل أن يحمل معولًا بدل حقيبته المدرسية؟ كيف يُطلب منه أن يهدم ذاكرته بيديه؟
يتحدث محمود عن المكان وكأنه يودّعه: لديّ ذكريات كثيرة هنا. كنت ألعب مع أخي. أنا أحب هذا المنزل، ولا أعرف إلى أين سنذهب.
المنزل يقع في بلدة سلوان، جنوبي القدس المحتلة. وهو ليس المنزل الأول، ولا الأخير. سلوان التي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى خريطة أوامر هدم، وأحياء مهددة، وبيوت تنتظر دورها.
في عام 2025 وحده، شهد قرى وبلدات شرقي القدس أوسع موجة هدم منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. مئات المنازل والمنشآت الفلسطينية هُدمت بذريعة “البناء دون ترخيص”، وكانت سلوان في مقدمة المناطق المستهدفة. عشرات البيوت أُجبر أصحابها على هدمها بأيديهم، تفاديًا لغرامات باهظة أو هدم قسري بالجرافات.
ترخيص… كلمة يعرفها محمود دون أن يعرف معناها، ترخيص يمنعه الاحتلال أصلًا، أهالٍ يقدّمون الطلبات، يطرقون أبواب المحاكم، ينتظرون أعوامًا، ولا يأتي الرد. وحين يبنون بيوتًا تأوي أبناءهم، تُهدم لأنها “دون ترخيص”!
وفي عام واحد فقط، وثّقت مؤسسات حقوقية تهجير أكثر من 1500 فلسطيني في القدس، بسبب سياسة الهدم ذاتها.
بيت محمود قديم، موروث عن الجد. معنى ذلك أن أجيالًا كاملة عاشت هنا، ضحكت وبكت، كبرت وشيّعت أحباءها من هذا الباب. واليوم، يقف طفل في الصف الرابع، يحمل معولًا، ويُسقط جدارًا شهد طفولته القصيرة.
في سلوان، كل بيت يسقط، يترك وراءه طفلًا يشبه محمود، يتعلّم باكرًا أن الجدران في هذه المدينة مؤقتة، وأن الذاكرة وحدها تحاول الصمود.
وعندما ينتهي محمود من هدم آخر جدار، قد لا يبقى من البيت شيء، لكن القصة ستبقى لتكبر معه، وتكبر مع شقيقه، وتُروى يومًا ما:
هنا كان بيتنا… وهنا تعلّمنا، ونحن أطفال، كيف يهدم الاحتلال الأحلام قبل أن تكتمل.