حماس والمفاوضات: ثبات استراتيجي ومرونة محسوبة

خاص-الرسالة نت

لم تكن مواقف حركة حماس خلال جولات المفاوضات الأخيرة، وما تلاها من ترتيبات سياسية وميدانية، مجرد ردود فعل آنية فرضتها ظروف التصعيد، بل جاءت ضمن رؤية سياسية متكاملة تقوم على إدارة الصراع مع الاحتلال، وتحقيق مكاسب مرحلية لصالح شعبنا دون المساس بالثوابت الوطنية أو تقديم تنازلات تمس جوهر القضية.

ويرى محللون سياسيون في حديثهم لـ“الرسالة” أن الحركة دخلت مسار التفاوض وهي تدرك حدوده وسقوفه، لكنها في الوقت ذاته أحسنت توظيف أدوات الضغط المتاحة، ونجحت في المناورة بين متطلبات الصمود العسكري والاحتياجات الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة.

 

خطوط تفاوضية حمراء 

وخلال المفاوضات، التزمت حماس بمجموعة من الخطوط الحمراء التي شكّلت جوهر موقفها السياسي، وفق المحللين أبرزها: 

رفض نزع سلاح المقاومة أو ربط أي تهدئة بشروط تمس جوهر الصراع أو معادلة الردع.

اعتبار ملف الأسرى أولوية وطنية غير قابلة للمساومة، وربط أي تسهيلات إنسانية أو تهدئة بتقدم حقيقي وملموس في هذا الملف.

رفض الحلول الجزئية المجانية التي تخدم الاحتلال أمنيًا دون مقابل سياسي أو إنساني واضح.

إدارة التفاوض عبر الوسطاء دون الاعتراف بشرعية الاحتلال أو الدخول في مسار سياسي مباشر معه.

ويؤكد المحلل السياسي في الشؤون الدولية والعربية علي فوزي أن “حماس دخلت المفاوضات من موقع الندية النسبية، لا من موقع الطرف المهزوم، وهو ما انعكس على سقف مطالبها وطبيعة خطابها السياسي”.

ويضيف فوزي: “رغم صرامة الخطاب، أظهرت حماس مرونة تكتيكية محسوبة، تمثلت في القبول بتهدئات مؤقتة لتخفيف الضغط عن المدنيين، والتعامل الإيجابي مع المقترحات الإنسانية، شريطة ألا تُفرغ المقاومة من مضمونها، مع ترك مساحة للوسطاء الإقليميين للمناورة دون تقديم التزامات سياسية بعيدة المدى”.

من جانبه، يرى الحقوقي والمحلل السياسي الدكتور صلاح عبد العاطي أن “هذه المرونة لا تعني تراجعًا عن الثوابت، بل تعكس فهمًا سياسيًا ناضجًا لإدارة التوازن الدقيق بين الصمود العسكري ومتطلبات الواقع الإنساني”.

 

ما بعد المفاوضات

وبعد انتهاء كل جولة تفاوض، انتقلت حماس إلى مرحلة أكثر حساسية، تمثلت في كيفية استثمار نتائج المفاوضات سياسيًا وشعبيًا، دون الوقوع في فخ التهدئة الطويلة المجانية أو تحميلها أعباء سياسية غير متوازنة.

وتمثلت أبرز مواقف الحركة في مرحلة ما بعد المفاوضات في تعزيز: 

 الجبهة الداخلية عبر تقديم نفسها كحامية للثوابت الوطنية وكطرف انتزع مكاسب رغم العدوان.

الإبقاء على معادلة الردع قائمة والتأكيد أن أي تهدئة تبقى مشروطة بسلوك الاحتلال والتزامه.

إدارة العلاقة مع الفصائل الفلسطينية بما يمنع تحميلها منفردة مسؤولية أي تصعيد لاحق.

اعتماد خطاب سياسي متوازن يجمع بين لغة الإنجاز والتحذير من خروقات الاحتلال.

وبحسب تقديرات المحللين، يمكن تلخيص استراتيجية حماس التفاوضية في ثلاث ركائز أساسية:

 

أولًا: إدارة الصراع

فالحركة لا تنظر إلى المفاوضات باعتبارها مدخلًا لتسوية سياسية نهائية، بل كأداة لإدارة الصراع وتقليل كلفته، دون التخلي عن أهدافها الوطنية.

 

ثانيًا: تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر

إذ تفاوض حماس من أجل تحسين شروط الصمود لا الرضوخ لمخططات العدو، وهو ما يفسر تمسكها بسلاح المقاومة كورقة ضغط أساسية.

ويؤكد فوزي في هذا الإطار أن “حماس تدرك أن التخلي عن سلاحها دون وجود ضمانات حقيقية لحماية شعبنا ومقاومته، لذلك يبقى التمسك بالسلاح جزءًا من معادلة الحماية والردع، وليس مجرد خيار أيديولوجي”.

 

ثالثًا: الحفاظ على الشرعية الشعبية

إذ يُقاس أي قرار تفاوضي بمدى قبوله شعبيًا، ما يجعل الحركة حذرة من أي خطوة قد تُفسَّر كتراجع أو تفريط.

ويشدد عبد العاطي على أن “قوة حماس لا تكمن فقط في قدرتها العسكرية، بل في إدارتها السياسية للصراع، ونجاحها في تحويل المفاوضات إلى أحد أدوات المقاومة”.

 

تحديات ورهانات

ورغم هذا الأداء السياسي، تواجه حماس تحديات متزايدة وفق المحللين، أبرزها الضغوط الإقليمية والدولية، والواقع الإنساني الصعب في قطاع غزة، إضافة إلى محاولات الاحتلال فرض معادلات أمنية جديدة عبر التهدئة.

لكن عبد العاطي يرى أن “قدرة الحركة على الصمود السياسي حتى الآن تشير إلى أنها ستبقى رقمًا صعبًا في أي معادلة فلسطينية أو إقليمية مقبلة”.

في المحصلة، تعكس مواقف حماس خلال المفاوضات وما بعدها استراتيجية واعية تقوم على الثبات في الجوهر والمرونة في الشكل. فهي تفاوض دون أوهام، وتُهادن دون استسلام، وتدير الصراع باعتباره مسارًا طويلًا لا جولة عابرة، وفي ظل غياب أفق سياسي حقيقي، تبدو هذه المقاربة – برأي محللين – الأكثر انسجامًا مع تعقيدات الواقع وطبيعة الصراع.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير