مقال: زلزال الذهب العالمي

أحمد أبو قمر

شهدت أسواق الذهب والمعادن النفيسة مؤخرا واحدة من أقسى الصدمات السعرية في تاريخها الحديث، بعدما تبخرت ما يقدّر بنحو 7.4 تريليون دولار من القيمة السوقية خلال وقت قصير، في مشهد أربك المستثمرين وأعاد إلى الواجهة تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه الأسواق وحدود استقرارها.

فقد أنهت أونصة الذهب تداولاتها الأسبوعية، قرب مستوى 4865 دولارا، بعد أن كانت قد سجلت قمما تاريخية لامست 5600 دولار، قبل أن تدخل في موجة هبوط حادة.

في ظاهر الأمر، يمكن تفسير هذا التراجع على أنه نتيجة طبيعية لعمليات جني أرباح واسعة، خاصة بعد الارتفاعات السريعة والمبالغ فيها التي شهدها الذهب خلال الأيام الماضية.

فعندما ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من العوامل الاقتصادية الداعمة، يصبح التصحيح أمرا شبه حتمي، إلا أن عمق الهبوط وسرعته يشيران إلى أن الصورة أكثر تعقيدا من مجرد تصحيح تقني.

فقد تراجع الذهب بأكثر من 9%، بينما تعرضت الفضة لانهيار تجاوز 32%، وهو ما يسلط الضوء على الدور الكبير للتداولات المضاربية والسيولة السريعة، لا سيما في الأسواق الأصغر حجما مثل الفضة والبلاتين والبلاديوم، التي تتأثر بشكل حاد بدخول وخروج الأموال الكبيرة في فترات قصيرة.

الارتفاعات الأخيرة في أسعار الذهب لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة توترات جيوسياسية متصاعدة، ومخاوف من تصعيد عسكري محتمل في المنطقة، إلى جانب أزمة غير مسبوقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول حول مسار أسعار الفائدة.

تصريحات ترامب بشأن إمكانية تغيير رئيس الفيدرالي اعتُبرت مساسا باستقلالية أهم مؤسسة نقدية في العالم، ما دفع المستثمرين إلى الهروب نحو الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب والفضة.

أما الهبوط العنيف الأخير، فقد تسارع بعد إعلان ترامب اختيار كيفين وارش، المعروف بمواقفه المتشددة ورفضه خفض الفائدة، رئيسا جديدا للاحتياطي الفيدرالي، وهو ما أشعل موجات بيع واسعة في أسواق الأسهم والمعادن النفيسة معا.

ومع ذلك، فإن الصورة بعيدة المدى لا تزال تشير إلى استمرار الاهتمام بالذهب، مدعوما بعمليات شراء من البنوك المركزية والصناديق الاستثمارية الكبرى.

وفي قطاع غزة، يبقى التسعير المحلي للذهب مرتبطا فعليا بالسوق العالمي، مع فروقات محدودة تحكمها عوامل الطلب والعرب والسيولة وغيرها. فخلال الحرب، أدى اضطرار الناس للبيع إلى زيادة المعروض وانخفاض السعر المحلي عن العالمي، أما اليوم فقد تغير المشهد مع تصاعد الطلب على التخزين، ما جعل السعر المحلي يتماشى مع العالمي.

ورغم حدة التراجعات، يبدو أن ما يجري قد يكون تصحيحا مؤلما، لكنه لا يعني نهاية الاتجاه الصاعد للذهب.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من مقالات