سموم تحت الأنقاض: النفايات الإلكترونية قنبلة صامتة تهدد حياة غزة

متابعة-الرسالة نت

لم تعد أنقاض الحرب في قطاع غزة مجرد كتل إسمنتية شاهدة على الدمار، بل تحوّلت إلى مخازن خفية للسموم. بين الركام المتشابك، تختلط بقايا المنازل والمستشفيات والمؤسسات التعليمية بآلاف الأطنان من الأجهزة الإلكترونية المحطّمة، لتشكّل ما يمكن وصفه بـ"الركام الإلكتروني"؛ خطر بيئي وصحي طويل الأمد يتسلل بصمت إلى التربة والمياه وأجساد السكان، في واحدة من أكثر مناطق العالم اكتظاظًا ومحاصرة.

تغطي أكوام هائلة من الركام مساحات واسعة من قطاع غزة، حاملة في طياتها هواتف محمولة، حواسيب، أجهزة كهربائية منزلية، معدات طبية، وأسلاك شبكات، لم تعد مجرد خردة نتجت عن الاستهلاك الطبيعي، بل نفايات إلكترونية صنعتها الحرب والإبادة الجماعية. 

هذا الركام، الذي يصعب التعامل معه بالطرق التقليدية نتيجة كثافته واختلاطه بأنقاض المباني، يحتاج إلى سنوات لإزالته، في ظل حصار مستمر وانهيار شبه كامل لمنظومة إدارة النفايات.

في غرب مدينة غزة، التي كانت تمثل القلب الإداري والمؤسساتي للقطاع، بات الركام الإلكتروني جزءًا ثابتًا من المشهد اليومي. تتراكم الأجهزة المحطمة ببطء، دون أي قدرة حقيقية على فرزها أو معالجتها وفق المعايير البيئية المعروفة، لتتحول مع الوقت إلى مصدر دائم لتسرّب المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة، مهددة صحة السكان والبيئة على حد سواء.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025، جرى توليد نحو 900 ألف طن من النفايات الصلبة في قطاع غزة، تم تفريغها في مواقع مؤقتة بعد انهيار منظومة إدارة النفايات. كما ارتفع المعدل اليومي للنفايات إلى ما بين 3,300 و3,850 مترًا مكعبًا، مقارنة بنحو 1,300 متر مكعب يوميًا قبل الحرب. وتشكل النفايات الإلكترونية ما بين 10 و15 في المئة من هذا الرقم، أي ما يعادل نحو 90 إلى 135 ألف طن من الأجهزة والمواد السامة، وهو وزن هائل يعادل آلاف الحافلات المحملة بالمعادن والكيماويات الخطرة.

وبحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، تُعد النفايات الإلكترونية أسرع أنواع النفايات الصلبة نموًا في العالم، إذ تتزايد بمعدل يفوق نمو السكان بثلاثة أضعاف، بينما يُعاد تدوير أقل من ربعها فقط. ورغم احتوائها على مواد ثمينة يمكن استغلالها اقتصاديًا، فإن إدارتها غير السليمة تشكل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة والبيئة، لا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث تفتقر البنية التحتية والرقابة اللازمة.

وتشمل المخاطر البيئية والصحية إطلاق مواد سامة مثل الرصاص والزئبق والديوكسينات إلى الهواء والتربة والمياه، سواء عبر الحرق العشوائي أو الطمر أو التفكيك اليدوي غير الآمن. هذه الملوثات لا تتوقف عند حدود المكان، بل تتغلغل في السلسلة الغذائية وتصل إلى الإنسان، مسببة أمراضًا مزمنة قد تمتد آثارها مدى الحياة. وتؤكد المنظمة أن الأطفال والنساء الحوامل هم الفئات الأكثر عرضة لهذه الأخطار، إذ ترتبط الملوثات بولادات مبكرة، وتأخر في النمو العصبي، واضطرابات في الجهاز التنفسي والمناعة.

في هذا السياق، يحذر البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه، أستاذ العلوم البيئية والبحرية في الجامعة الإسلامية بغزة، من أن النفايات الإلكترونية تُعد من أخطر أنواع المخلفات التي يواجهها المجتمع، نظرًا لاحتوائها على رقائق إلكترونية ومعادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة. ويؤكد أن هذه النفايات قادرة على البقاء في البيئة لفترات طويلة، حيث تتغلغل في التربة وتتسرب إلى المياه الجوفية وتصل في النهاية إلى الإنسان عبر الغذاء والهواء.

ويشدد عبد ربه على أن التعامل مع هذه المخلفات كأنها نفايات عادية يمثل خطأً فادحًا، موضحًا أن حرقها أو دفنها مع النفايات التقليدية يؤدي إلى تصاعد غازات وأدخنة سامة، تسبب أضرارًا بالجلد والجهاز التنفسي، وتفاقم حالات الربو وأمراض القلب، خاصة في ظل قرب مكبات النفايات من المناطق السكنية ومخيمات النزوح. كما تمتد المخاطر إلى تلوث المياه الجوفية والتربة الزراعية، ما يهدد الأمن الغذائي والصحة العامة.

ويضيف أن عمال النظافة يواجهون مخاطر مضاعفة نتيجة التعرض المباشر لهذه المواد دون معدات حماية كافية، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص حاد في الإمكانيات والموارد. ويجمع خبراء على أن الحصار المستمر منذ أكثر من عقد، إلى جانب الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، أعاق أي قدرة فعلية على إدارة هذا النوع الخطير من النفايات، محولًا المشكلة إلى أزمة بيئية وصحية متفاقمة.

ويرى مختصون أن مواجهة هذا الخطر تتطلب تدخلات عاجلة تشمل فرز النفايات الإلكترونية عن بقية الركام، ومعالجة المواد السامة بطرق آمنة، وتوفير معدات حماية للعمال، إلى جانب إطلاق حملات توعية للسكان حول مخاطر التعامل العشوائي مع هذه المخلفات. فدون هذه الإجراءات، سيبقى الركام الإلكتروني قنبلة صامتة تهدد حاضر غزة ومستقبلها الصحي والبيئي، وتضيف فصلًا جديدًا من المعاناة إلى حياة أنهكها الحصار والحرب.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير