لم تعد المقابر في قطاع غزة مجرد أماكن لوداع الموتى، بل تحولت خلال الحرب إلى شاهد إضافي على حجم الكارثة الإنسانية التي فرضها القصف المستمر، ففي ظل الاستهداف المتواصل، وانقطاع الطرق، وخروج المقابر الرسمية عن الخدمة، اضطرت العائلات وطواقم الإسعاف والدفاع المدني إلى دفن الشهداء في مقابر عشوائية داخل الأحياء السكنية والساحات العامة، في مشهد غير مسبوق بتاريخ القطاع.
وأعلن جهاز الدفاع المدني في محافظة غزة، اليوم الأحد، أن طواقمه وبمشاركة الأدلة الجنائية، قامت بنقل جثامين 83 شهيدًا كانوا قد دُفنوا سابقًا داخل مقبرة عشوائية في حي الدرج، حيث جرى تسليم الجثامين إلى الطب الشرعي والجهات المختصة، في إطار جهود توثيق الشهداء وإعادة دفنهم وفق الأصول القانونية والإنسانية.
وأكد الدفاع المدني أن العمل لا يزال مستمرًا، مع وجود عشرات المقابر العشوائية الأخرى التي سيتم التعامل معها وفق جدول زمني محدد، بحسب الإمكانات المتاحة.
كيف بدأت المقابر العشوائية؟
ظهرت المقابر العشوائية في قطاع غزة منذ الأسابيع الأولى للحرب، مع تصاعد أعداد الشهداء بوتيرة غير مسبوقة، واستهداف سيارات الإسعاف، وتعطّل حركة النقل بين المناطق، لا سيما مع حصار المستشفيات وخروج بعضها عن الخدمة.
وفي كثير من الأحيان، بقيت الجثامين لساعات أو أيام داخل المنازل أو في الشوارع، ما دفع الأهالي إلى دفن ذويهم قرب أماكن الاستشهاد أو داخل ساحات المستشفيات والمساجد والمدارس، خوفًا من التحلل وانتشار الأمراض.
كما ساهمت أوامر الإخلاء المتكررة، وانعدام الوقود، وخطورة الوصول إلى المقابر الرئيسية، في فرض واقع جديد على سكان غزة، حيث تحولت الحدائق العامة، والأراضي الفارغة، وأطراف الأحياء، إلى أماكن دفن اضطرارية، دون شواهد أو توثيق كامل، وفي كثير من الأحيان دون معرفة دقيقة لهوية المدفونين.
وتشكل المقابر العشوائية تحديًا إنسانيًا وقانونيًا بالغ الخطورة، إذ تعيق عملية التعرف على الشهداء، وتعرقل توثيق الجرائم، وتؤثر على حقوق العائلات في معرفة مصير أبنائها.
كما أن الدفن غير المنظم، وفي مناطق سكنية مكتظة، يثير مخاوف صحية وبيئية، خاصة مع تداخل شبكات المياه والصرف الصحي، وغياب شروط السلامة العامة.
ويؤكد مختصون أن إعادة فتح هذه المقابر ونقل الجثامين ليست مجرد إجراء إنساني، بل خطوة أساسية في مسار العدالة، إذ تتيح للجهات المختصة إجراء الفحوصات اللازمة، وتحديد أسباب الوفاة، وجمع الأدلة التي قد تُستخدم لاحقًا في توثيق جرائم الحرب.
وتجري عمليات نبش ونقل الجثامين في ظروف بالغة الصعوبة، وسط نقص حاد في المعدات، وغياب الوقود، واستمرار التهديدات الأمنية.
ورغم ذلك، تواصل طواقم الدفاع المدني عملها، في محاولة لإعادة بعض النظام إلى مشهد فوضوي فرضته الحرب، وحفظ كرامة الشهداء بعد أن حُرموا من وداع يليق بهم.
ومع استمرار الحرب وتداعياتها، تبقى المقابر العشوائية في غزة واحدة من أكثر الصور قسوة، تعكس كيف امتدت الإبادة إلى ما بعد الموت، وحوّلت حتى طقوس الدفن إلى معركة جديدة يخوضها الفلسطينيون، دفاعًا عن كرامة الإنسان وحقه في الذاكرة والعدالة.