في خيمةٍ ضيقة نُصبت على عجل فوق أرضٍ رملية في أحد مراكز النزوح بقطاع غزة، يجلس الرسام الفلسطيني محمد زملط منحنياً فوق ورقةٍ صفراء، يرسم بما تبقى من ريشةٍ متهالكة وعلبة ألوان شبه فارغة.
حوله صمت ثقيل يسمعه وحده، لا يقطعه سوى أصوات الطائرات في السماء وبكاء الأطفال في الخيام المجاورة. هنا، بعيداً عن مرسمه الذي دُمّر، يواصل زملط ما يراه واجبه في هذه الإبادة، أن يرسم كي لا تموت الحكاية.
محمد زملط ليس اسماً جديداً في المشهد الفني الغزي، لكنه اليوم يرسم من قلب المأساة لا عن بُعد. خلال الحرب، فقد ثلاثة من أبنائه، وفقد منزله وكل ما كان يملكه تقريباً، إلا أن الريشة بقيت في يده. يقول لمن يلتقيه إن الرسم أصبح وسيلته للبقاء، ومحاولة أخيرة لترتيب الفوضى التي تركتها الإبادة في داخله.
لوحاته في النزوح لا تبحث عن الجمال التقليدي. وجوه متعبة، عيون غائرة، أمهات يحملن أبناءً نحيلين، طوابير ماء لا تنتهي، وأفق رمادي ثقيل على قلب رسام فقد أبناءه.
يرسم الموت والدخان كما لو كانا ملامح دائمة لغزة، ويرسم البيوت المهدّمة كأنها أجساد بلا أرواح. لا يوقّع أعماله أحياناً، كأنه يقول إن هذه الوجوه ليست له وحده، بل لكل من عاش التجربة.
يؤمن زملط أن الريشة قادرة على قول ما تعجز عنه الكاميرا. الصورة الفوتوغرافية تلتقط اللحظة، أما اللوحة فتحتفظ بالوجع. في كل خط يرسمه، يترك جزءاً من خسارته، وفي كل ظلٍّ ثقيل، يضع أسماءً لا تُكتب: أبناؤه، جيرانه، وأصدقاؤه الذين غابوا تحت الركام.
رغم النزوح والجوع وقسوة الحياة اليومية، يلتف حوله أطفال المخيم وهم يراقبون يده تتحرك على الورق. أحياناً يعطيهم ألوانه ليجربوا الرسم، وكأنه يورثهم وسيلة أخرى للصراخ.
يقول إن الاحتلال لا يدمّر البيوت فقط، بل يحاول كسر الروح، والفن هو أحد أشكال المقاومة الصامتة، حيث تتحول الورقة إلى شاهد، والريشة إلى وثيقة، واللوحة إلى ذاكرة حيّة تقول للعالم إن هنا شعباً لا يزال واقفا على قدميه.