يجلس بصوت خافت، كأن كل حرف يخرجه من بين أنفاسه المفقودة، وجسده هزيل لا يكاد يتحمل وزن نفسه. فقد أيْسر البرغوثي 43 كيلوغرامًا منذ 7 أكتوبر، وهو يتحدث عن سنوات سجنه الطويلة، وعن ما لم يره العالم من داخل الزنزانات.
خرج أيْسر حديثًا من السجن بعد تسع سنوات قضاها بين جدران باردة، سبع منها قبل 7 أكتوبر وسنتين بعده، لكنه يؤكد أن الوضع تغير بشكل مخيف بعد ذلك التاريخ. فجأة، يدخل السجانون الزنزانة، يلقون قنابل الصوت، ويخرجون، تاركين الأسرى جميعهم في حالات اختناق خانقة. بعض الأسرى فقدوا 20 كيلوغرامًا من وزنهم، والآخرون 10 كيلو أو أكثر، في ظل جوع مستمر وخوف دائم لا ينقطع.
يصف أيْسر الضرب الوحشي الذي يتعرض له الأسرى، وكيف أن محاولة الدفاع عن زميل تعني التعرض لعقاب أشد، حيث يُعاد الأسير إلى أهله في كيس أسود، مهددًا بالحياة قبل وصوله إلى أيّ مكان آخر. يروي عن أسلحة تُعرف باسم “البمبكشن” التي يطلقها السجانون، وكيف تُستخدم لقمع الأسرى وضربهم على الرأس والأضلاع، أحيانًا تكسير الأطراف أو حتى البتر، مشاهد مرعبة جعلت حياة الأسرى مستمرة بين القمع والجوع والخوف والأذى.
لم يسلم أي أسير من هذا الجحيم، لا شاب ولا شيخ، ولا حتى المريض أو الضعيف. كل يوم يحمل رعبًا جديدًا، وآلامًا جديدة، ومعركة للبقاء على قيد الحياة. وفي السياق نفسه، تشير الإحصاءات الحقوقية إلى أن ما لا يقل عن 98 أسيرًا فلسطينيًا استشهدوا داخل السجون الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023 نتيجة التعذيب، الإهمال الطبي، التجويع، والسياسات القمعية الأخرى. من بين هؤلاء، حوالي 46 أسيرًا من قطاع غزة فقدوا حياتهم، بينما هناك حالات أخرى لم تُكشف رسميًا بعد.
في عيون أيْسر، ترى كل الأسرى الآخرين أيضًا: فقدانهم، ألمهم، ونضالهم للبقاء، رغم كل القسوة. حكاية أيْسر ليست مجرد سرد لمعاناة فرد واحد، بل شهادة على معاناة آلاف الفلسطينيين داخل السجون، على صمت العالم أمام جرائم القمع، وعلى عزيمة لا يمكن للقمع أن يكسّرها، رغم كل الدماء والدموع والخوف.
وفي كل زنزانة، كل ضرب، وكل دمعة، يظل تراب فلسطين شاهدًا على الصمود، وعلى إرادة الحياة التي لا تُقتل، مهما بلغ القمع من وحشية، ومهما طال الغياب عن الحرية.