لا تقتصر حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة على القتل الجماعي والتدمير العسكري للبنية العمرانية والمدنية، بل تتجاوز ذلك إلى استهداف منهجي للتعليم والثقافة والذاكرة الجمعية والهوية الفلسطينية، هذا ما خلص إليه الباحث الأمريكي هنري جيرو في دراسته المعنونة "الإبادة الأكاديمية: الحرب على التعليم من غزة إلى العالم الغربي" حيث يقدم مفهوم الإبادة المعرفية بوصفه إطارًا لفهم الحرب كمشروع بنيوي يهدف إلى محو المجتمع الفلسطيني ماديًا وفكريًا وثقافيًا.
الدراسة، المنشورة في Journal of Holy Land and Palestine Studies، تعتبر هذا النوع من الإبادة أحد الأبعاد الجوهرية للحرب الجارية، إذ تؤكد أن العمليات العسكرية ليست أحداثًا منفصلة، بل مشروع متكامل لتدمير شروط بقاء المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك استهداف المدارس والجامعات والمكتبات والمتاحف، والجهات التي تنقل المعرفة وتشكّل وعي الأجيال القادمة.
إرهاب الدولة وتطبيع العنف
يرى جيرو أن أخطر أشكال العنف الإسرائيلي لا تكمن في القوة العسكرية المباشرة، بل في تطبيع العنف داخل المجتمع وتحويله إلى ممارسة يومية مألوفة. فالاعتقالات، وهدم البيوت، والقصف الواسع للمدنيين، واستهداف المدارس والمستشفيات ليست مجرد أفعال عسكرية، بل جزء من سياسة ممنهجة لتطبيع العنف ثقافيًا وأخلاقيًا، بما يفرض على المجتمع قبول القمع والمشاركة الرمزية فيه.
ويؤكد الباحث أن إسرائيل تخوض حربًا على النقد والمعارضة، سواء داخل فلسطين أو خارجها، حيث تُواجَه أي محاولة لتوثيق الانتهاكات أو وصفها كجريمة حرب بحملات تشويه واتهامات جاهزة، أبرزها اتهام من يعارضها بمعاداة السامية، ما يحد من حرية التعبير الأكاديمي.
حجم التدمير التعليمي
تعتمد الدراسة على تقارير حقوقية دولية وأرقام الأمم المتحدة لتوضح حجم الأضرار:
• تضرر نحو 90% من مدارس غزة.
• تعرض جميع الجامعات الـ12 للقصف أو التخريب، مما أوقف الدراسة لنحو 90 ألف طالب جامعي.
• استشهد آلاف الطلاب والمعلمين وأساتذة الجامعات.
يرى جيرو أن هذه الوقائع ليست نتائج عرضية، بل تمثل سياسة مقصودة لقطع السلسلة المعرفية بين الماضي والحاضر، ما يجعل إعادة بناء المجتمع بعد الحرب أمرًا بالغ الصعوبة. كما يلفت إلى استهداف المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، مثل مدرسة التابعين، حيث قُصفت أثناء وجود مئات المدنيين، ما يعكس نية إسرائيلية واضحة في الاستهداف، مخالفًا للقانون الدولي الإنساني.
الإبادة المعرفية: تعريفها وامتدادها
يعرف جيرو الإبادة المعرفية بأنها تدمير ممنهج للتعليم والثقافة والبنية الفكرية للمجتمع بهدف محو ذاكرته الجمعية ومنعه من إنتاج المعرفة ونقلها للأجيال القادمة. وتشمل العملية:
• تدمير المدارس والجامعات والمكتبات والأرشيفات.
• قتل أو تهجير المعلمين والمثقفين.
• تدمير المتاحف والمواقع الثقافية والمعالم التاريخية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا النمط من التدمير لا يقتصر على فلسطين، بل يمتد إلى الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يشهد تراجع حرية التعبير الأكاديمي ومعاقبة أساتذة وطلاب على التضامن مع غزة أو انتقاد السياسات الإسرائيلية، مما يعكس تحالفًا بين السلطة السياسية والاقتصادية والإعلامية لإسكات أي خطاب نقدي.
الأطفال والمعاناة النفسية
يولي جيرو اهتمامًا خاصًا للأطفال بوصفهم الفئة الأكثر تضررًا من الحرمان التعليمي والنفسي المتزامن. فغالبًا ما يُفقد الأطفال إحساسهم بالاستمرارية ويصبح العنف الإطار الوحيد لفهم العالم. ويصف الباحث هذا النوع من العنف بـ العنف البطيء أو الذي لا يُرى، لأنه يترك آثارًا عميقة على المجتمع وقدرته على النهوض بعد الحرب، ما يؤدي إلى انهيار البنية الاجتماعية، تآكل الأمل، وتعطّل التخطيط للمستقبل.
الجامعات الإسرائيلية ودورها في المشروع العسكري
تشير الدراسة إلى أن الجامعات الإسرائيلية تعمل ضمن شراكات وثيقة مع الجيش وشركات السلاح وأجهزة الاستخبارات، فتتحول المعرفة الأكاديمية إلى أداة لتبرير العنف، وتنتج خطابًا يجرّد الفلسطيني من إنسانيته ويقدّم القتل والتدمير كأفعال مقبولة علميًا وأمنيًا.
الخلاصة
يخلص جيرو إلى أن ما يحدث في غزة تجاوز مأساة محلية ليصبح اختبارًا عالميًا لمعنى التعليم وحقوق الإنسان. فحين تُدمّر المدارس وتُقتل الذاكرة، ويُحرم الأطفال من التعلم، يكون المستهدف ليس فقط الشعب الفلسطيني، بل العدالة نفسها. ويؤكد أن الدفاع عن التعليم هو فعل مقاومة أخلاقية، وأن الصمت أمام تدمير المعرفة يُعد تواطؤًا مع جريمة قائمة، والقبول بمستقبل مبني على الجهل والقهر.