رغم الإعلان عن إعادة تشغيل معبر رفح في كلا الاتجاهين، بعد شهور طويلة من الإغلاق، إلا أن واقع المسافرين يكشف عن فجوة واضحة بين ما تم الاتفاق عليه وما يجري تطبيقه فعليا على الأرض.
فبينما نصّت التفاهمات على تسهيل حركة المرضى والعالقين، يواجه العابرون سلسلة من الإجراءات المعقدة والتحقيقات المطولة التي تحوّل رحلة السفر إلى تجربة قاسية نفسيا وإنسانيا.
ووفق ما تم الاتفاق عليه، يُفترض أن يسمح الاحتلال الإسرائيلي بسفر 150 مسافرا يوميا، بواقع 50 مريضا و100 مرافق. غير أن الأرقام الفعلية تشير إلى أن عدد المغادرين لا يتجاوز 60 مسافرا في اليوم، ما يعكس فجوة كبيرة بين التعهدات والتنفيذ، ويترك عشرات المرضى يوميا في مواجهة مصير مجهول، خاصة أولئك الذين يحملون تحويلات علاجية عاجلة.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود تقليص الأعداد، بل تمتد إلى ما يصفه مسافرون بـ"سياسة تنكيل نفسي ممنهج"، تبدأ من الإبلاغ المتأخر بالموافقة على السفر في ساعات متأخرة من الليل، ولا تنتهي عند التحقيقات القاسية والاحتجاز لساعات طويلة على الحواجز، في مشهد يعكس تحكما كاملا بمصير المدنيين العالقين بين المرض والانتظار.
فجوة الأرقام
وبحسب إفادات مسؤولين محليين وشهادات مسافرين، فإن الالتزام بعدد 150 مسافرا يوميا لم يتحقق منذ بدء إعادة التشغيل. ففي الوقت الذي ينتظر فيه آلاف المرضى، خصوصا الجرحى ومرضى السرطان وأمراض القلب، دورهم للسفر، لا يُسمح إلا لنحو 60 شخصا يوميا بالعبور، ما يعني تراكم القوائم وتأجيل مواعيد علاج حيوية.
هذا الفارق العددي لا يُعد مسألة إدارية فحسب، بل ينعكس مباشرة على حياة الجرحى والمرضى، إذ أن كثيرين منهم يحتاجون إلى جلسات علاج دورية في الخارج، وأي تأخير قد يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحية. ويؤكد ذوو مرضى أن مواعيد طبية أُلغيت بالفعل بسبب عدم القدرة على السفر في الوقت المحدد.
ويرى مراقبون أن تقليص الأعداد يشكل أداة ضغط إضافية، تُبقي المعبر تحت تحكم الاحتلال الكامل، وتُفرّغ أي اتفاق من مضمونه الإنساني.
وإلى جانب تقليص الأعداد، يتحدث مسافرون عن آلية إبلاغ توصف بأنها "مرهقة ومتعمدة"، إذ يتم إبلاغ بعض الأسماء بالموافقة على السفر في ساعات متأخرة من الليل، أحيانا بعد منتصف الليل، ما يربك العائلات ويضع المرضى أمام سباق مع الوقت للوصول إلى المعبر فجرا.
وعند الوصول، تبدأ مرحلة أخرى من المعاناة، حيث يخضع المسافرون لتحقيقات تمتد من أربع إلى خمس ساعات، تتخللها أسئلة مطوّلة وتفتيش دقيق وانتظار في ظروف صعبة.
ويقول مسافرون إن طبيعة الأسئلة لا ترتبط دائما بالسفر أو العلاج، بل تتناول تفاصيل شخصية وأسرية، ما يضفي على التحقيق طابعا أمنيا ضاغطا.
كما وثّقت شهادات استهداف نساء خلال إجراءات العبور، شمل عصب الأعين واحتجازهن لساعات، في سلوك يراه حقوقيون انتهاكا صارخا لكرامة المدنيين، خاصة المرضى وكبار السن.
العودة رغم التهديد
وتقول المواطنة دعاء (غ)، التي عادت مؤخرا إلى قطاع غزة عبر المعبر، إن تجربتها كانت "الأصعب في حياتها". وتروي أنها خضعت لتحقيق استمر نحو خمس ساعات، تخللته أسئلة وُصفت بأنها تهديدية، تضمنت عبارات مباشرة تحثها على عدم العودة إلى غزة مجددا والبقاء خارجها.
وتضيف دعاء أن المحققين لوّحوا لها بإمكانية منعها من السفر مستقبلا، وطرحوا عليها أسئلة عن أقاربها ومعارفها داخل القطاع، قبل أن يتم تأخير عبورها لساعات طويلة دون مبرر واضح. وتؤكد أنها شعرت بأن الهدف لم يكن أمنيا بقدر ما كان "رسالة ضغط نفسية".
ورغم ذلك، تقول دعاء إنها لم تتردد في العودة، مضيفة: "العيش في خيمة على أرض غزة أهون عليّ من الغربة والابتعاد عن أهلي وبيتي. الوطن ليس رفاهية بل هو كرامة وهوية".
وتعتبر أن عودتها تمثل موقفا شخصيا برفض أي محاولة لدفعها نحو الهجرة القسرية، مؤكدة أن التمسك بالأرض هو الرد الحقيقي على سياسات الضغط والتخويف.
ويرى مراقبون أن هذه الأساليب تندرج ضمن سياسة ضغط نفسي، تستهدف استنزاف المدنيين ودفعهم إلى مغادرة القطاع، عبر تحويل السفر إلى تجربة مرهقة ومهينة، بما يعزز بيئة طاردة للحياة.
وفي هذا السياق، أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في بيان صحفي أنه "رغم البدء في إعادة فتح معبر رفح، في كلا الاتجاهين، بعد إغلاق تعسفي وظالم، إلا أن الاحتلال الصهيوني يمارس خرقا فاضحا لآليات تشغيله التي تضمنها اتفاق وقف إطلاق النار، كما يرتكب انتهاكات ممنهجة ضد العائدين إلى قطاع غزة، شملت صنوفا من الإيذاء الجسدي والنفسي والتحقيق القاسي".
وقالت الحركة إن "عدم التزام الاحتلال بالأعداد المقرّرة يوميا مغادرتها أو عودتها إلى غزة، يضع حياة آلاف المرضى والمصابين الحاصلين على تحويلات للعلاج في الخارج أمام خطر حقيقي يهدد حياتهم".
وحمّلت الاحتلال "المسؤولية الكاملة عن استمرار خروقاته لوقف إطلاق النار، ومواصلة التحكم في آلية الدخول والخروج من معبر رفح"، داعية الوسطاء والدول الضامنة إلى "تحرّك عاجل يضع حدا لهذه الخروقات، ويُلزم الاحتلال بفتح المعبر وفق معايير القانون الدولي الإنساني".
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى معبر رفح عنوانا لمعاناة يومية تتجاوز مسألة السفر، لتتحول إلى اختبار قاسٍ للمرضى والعائدين، بين حقهم في العلاج والتنقل، وبين واقع من القيود والإجراءات التي تعمّق أزمتهم الإنسانية.