في مدينة خان يونس، حيث تتجاور رائحة البحر مع ركام البيوت، لم تكن الحرب مجرّد خبر عابر في نشرة المساء، بل كانت يومًا يوميًا من القلق والسهر ومحاولات النجاة. وسط هذا المشهد، وقفت المهندسة آيات ناهض السقا، ابنة المدينة، تحاول أن تصنع مساحة حياة في قلب العاصفة.
لم تكن آيات تحمل سلاحًا، بل حقيبة إسعافات ودفتر متابعة وأملًا عنيدًا. خلال الحرب، تولّت مسؤولية نقطة طبية لخدمة الأهالي، تعمل لساعات طويلة في ظروف شحيحة الموارد، حيث الكهرباء متقطعة، والإمدادات محدودة، والوجوه المتعبة تتوافد طلبًا للعلاج أو الطمأنينة. كانت تعرف أن كل أمّ تصل إلى النقطة الطبية تحمل خوفين: خوفها على نفسها، وخوفها الأكبر على طفلها.
داخل الخيمة أو الغرفة المتواضعة التي تحولت إلى نقطة رعاية، كانت تُفحص النساء الحوامل، تُقدّم الإرشادات الصحية، وتُتابع حالات الأطفال الذين أنهكتهم الظروف القاسية. لم يكن العمل مجرد وظيفة، بل رسالة يومية بأن الحياة تستحق أن تُحمى، حتى في أحلك اللحظات.
هذا الالتزام الإنساني تُوّج بفوزها بجائزة Penta Brighter Future Award لعام 2026، التي أُعلنت نتائجها في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية. وتُمنح الجائزة تقديرًا لأبطال صحة الأمهات والأطفال حول العالم، ممن يكرسون حياتهم لمكافحة أوجه عدم المساواة الصحية، خصوصًا تلك المرتبطة بالأمراض المعدية.
من بين سبعة فائزين على مستوى العالم، كانت آيات الفائزة الوحيدة من الشرق الأوسط، في إنجاز لم يكن شخصيًا فحسب، بل حمل اسم مدينتها واسم كل امرأة وطفل مرّوا عبر تلك النقطة الطبية الصغيرة.
تقول مقربات منها إن أكثر ما كان يؤلمها هو شعورها بالعجز حين لا تتوفر الأدوية الكافية، لكنها كانت تعوّض ذلك بالمتابعة الدقيقة، والتواصل مع المؤسسات، وبكلمة طيبة تخفف عن أمٍّ تنتظر مولودها في ظروف غير آمنة. كانت ترى في كل طفل يولد بسلام انتصارًا صغيرًا على واقع قاسٍ.
فوز آيات ليس مجرد تكريم فردي، بل شهادة على قدرة المبادرات المحلية، حتى في أصعب البيئات، على إحداث فرق حقيقي. إنه اعتراف عالمي بأن العدالة الاجتماعية تبدأ من حماية الأضعف، وأن صحة الأم والطفل ليست رفاهية، بل حق أساسي.
في خان يونس، ما زالت التحديات كبيرة، لكن قصة آيات السقا تفتح نافذة ضوء، وتؤكد أن العمل الإنساني الصادق يمكن أن يعبر الحدود، ليصل صداه إلى العالم.