الطفل محمد علوان يستذكر يوماً من أيام الموت في زيكيم

الرسالة نت - خاص

بين الخيام المتلاصقة في أحد مراكز النزوح، يجلس محمد علوان نصفه ممدّدًا على فراشٍ خفيف، يراقب المارة بصمتٍ أثقل من عمره. في فخذه مسامير بلاتين زُرعت منذ أشهر طويلة بعد إصابةٍ عميقة تمتد من أعلى الفخذ حتى الركبة؛ إصابة لم تكتفِ بتمزيق جسده، بل تركت في ذاكرته جرحًا مفتوحًا لا يندمل.
لم يتجاوز محمد الرابعة عشرة من عمره، لكنه يتحدث بملامح رجلٍ عبر حروبًا كثيرة. في ذلك اليوم، في صيف 2025، كانت المجاعة تضرب مدينة غزة بقسوة. خرج الناس يبحثون عن الطعام، لا يحملون سوى خوفهم وأملٍ صغير بأن يعودوا بما يسدّ رمق عائلاتهم.
“كنا نفكر في شيء واحد فقط”، يقول محمد، “أن وراءنا عائلة تجوع يومًا بعد يوم، وقد تموت إن لم نعد بشيء”.
وصلوا إلى زيكيم؛ الطريق الذي تمرّ عبره شاحنات الطحين، وهو ذاته المكان الذي كانت تقف فيه مدرعات الاحتلال.
لم يكن في حسبانهم أن الطريق إلى لقمة الخبز سيغدو طريقًا إلى الموت. فجأة انهمر الرصاص، وتبعته قنابل مزّقت المكان. سقط الناس أرضًا، بعضهم شهداء، وبعضهم جرحى يحاولون النجاة. تمدّد محمد بينهم، وجهه ملطخ بالدماء، لا يدري إن كان ما يزال حيًا أم صار رقمًا جديدًا في قائمة الضحايا.
مع حلول الظلام، عاد إطلاق النار من جديد. اقتربت سيارات عسكرية، وأُطلقت الأعيرة النارية على كل جسد يُشتبه بوجود حياة فيه. “كنت أرى الرصاص يتطاير بجانبي”، يقول، “كنت أعتقد أنني سأموت في الدقيقة القادمة، لكن الرصاصة كانت تتجاوزني”. تظاهر بالموت، حابسًا أنفاسه، فيما الخوف يضغط على صدره كصخرة.
بعد مغادرة الجنود، لم يأتِ الإسعاف، ولم يصل أحد لإنقاذ المصابين. جاء شيء آخر. “بعد دقائق ظهرت مجموعة من الكلاب”، يروي محمد بصوتٍ يرتجف. “بدأت تنهش في الأجساد. كنت أراها تحمل قطعًا من اللحم وتسير بها. كنت ما أزال أتنفس، لكنني لم أستطع الحركة. في تلك اللحظة تمنيت الموت”.
نزف محمد ساعات طويلة قبل أن يُنقل لتلقي العلاج. أُجريت له عملية جراحية، وزُرعت مسامير في فخذه لتثبيت العظم المكسور. اليوم يحاول أن يسير متغلبًا على الألم، لكن كل خطوة تعيده إلى ذلك المشهد. يحتاج إلى تحويلة طبية عاجلة وعلاج مكثف، فالإصابة عميقة، والمسامير تفتك بعظمه يومًا بعد يوم.
وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن عدد الأطفال المصابين منذ بدء العدوان على القطاع تجاوز عشرات الآلاف، بينهم آلاف بإصابات خطيرة وبتر أطراف وإعاقات دائمة. كما يحتاج آلاف الأطفال إلى تحويلات طبية عاجلة للعلاج خارج القطاع، في ظل انهيار المنظومة الصحية ونقص المعدات والأدوية.
في خيمةٍ لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، ينتظر محمد دوره في النجاة الثالثة؛ نجاة من الألم الذي يسكن جسده، ومن ذاكرةٍ تعيد إليه مشهد الأجساد الممددة إلى جواره، وذلك الخوف الذي يوقظه كلما أغمض عينيه.