تحولت قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي قُتلت في حي تل الهوى بمدينة غزة مطلع عام 2024، من مأساة إنسانية هزّت الرأي العام العالمي إلى قضية سياسية وقانونية وصلت إلى أروقة الكونغرس الأمريكي. ففي خطوة لافتة، تقدم عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين بمشروع قانون يحمل اسم "قانون العدالة لهند رجب" (Justice for Hind Rajab Act)، في محاولة لفتح تحقيق رسمي حول ظروف مقتل الطفلة وما إذا كانت أسلحة أمريكية قد استخدمت في الهجوم.
هذا التحرك التشريعي يأتي في وقت عادت فيه قصة هند إلى الواجهة الدولية مجددًا، ليس فقط في المجال السياسي والقانوني، بل أيضًا في المجال الثقافي والسينمائي، بعد أن تحولت المأساة إلى فيلم وثائقي درامي ينافس على جوائز الأوسكار، في تداخل لافت بين السياسة والسينما والقانون الدولي حول قضية واحدة أصبحت رمزًا لمعاناة المدنيين في الحرب.
مشروع قانون يطالب بكشف ملابسات الجريمة
وفق نص مشروع القانون المنشور على موقع مكتب السيناتور الأمريكي بيتر ويلش، يطالب المقترح وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد تقرير مفصل يُرفع إلى الكونغرس بشأن الظروف التي أدت إلى مقتل الطفلة هند رجب.
كما يتضمن المشروع تقييمًا لما إذا كانت أسلحة أمريكية قد استخدمت في الهجوم، إضافة إلى دراسة ما إذا كانت الواقعة تمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني أو لقوانين الحرب الأمريكية.
ويهدف مشروع القانون، بحسب مقدميه، إلى كسر الصمت الرسمي المحيط بالقضية، وإلزام الإدارة الأمريكية بتقديم توضيحات بشأن الحادثة التي أثارت موجة واسعة من الغضب والتعاطف حول العالم.
حادثة هزت الرأي العام
تعود القضية إلى 29 يناير/كانون الثاني 2024، عندما تعرضت سيارة تقل أفرادًا من عائلة الطفلة هند رجب لإطلاق نار أثناء محاولتهم الفرار من القتال الدائر في حي تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة.
أسفر الهجوم عن مقتل عدد من أفراد العائلة، فيما بقيت الطفلة هند، البالغة من العمر خمس سنوات، على قيد الحياة لبعض الوقت داخل السيارة.
وتمكنت الطفلة خلال تلك اللحظات من الاتصال بمسعفين من الهلال الأحمر الفلسطيني، طالبة النجدة في مكالمة هاتفية مؤثرة وثّقت اللحظات الأخيرة قبل أن ينقطع الاتصال.
وقد انتشرت تسجيلات تلك المكالمة على نطاق واسع في وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي، وتحولت إلى رمز إنساني لمعاناة المدنيين في الحرب، بحسب تقارير إعلامية غربية تناولت التأثير الكبير للقصة على الرأي العام العالمي.
السينما تدخل على خط القضية
بالتوازي مع الجهود التشريعية، برز فيلم وثائقي درامي بعنوان "صوت هند رجب" (The Voice of Hind Rajab)، للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، كواحد من أبرز الأعمال الفنية التي أعادت تسليط الضوء على المأساة.
ويعيد الفيلم تصوير أحداث تلك الليلة عبر دمج التسجيلات الصوتية الحقيقية للمكالمة مع إعادة بناء درامية دقيقة للمشهد داخل غرفة عمليات الهلال الأحمر الفلسطيني.
ولم يقتصر تأثير الفيلم على الجانب الفني فقط، بل تحول إلى وثيقة بصرية توثق الواقعة وتضعها أمام جمهور عالمي واسع.
وقد وصل الفيلم إلى القائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم وثائقي، كما حصل على ترشيح رسمي لفئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار لعام 2026.
ومنذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، حيث حصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، تلقى العمل إشادة واسعة وتصفيقًا حارًا من الجمهور والنقاد.
كما حظي الفيلم بدعم عدد من الأسماء العالمية التي انضمت إليه كمنتجين تنفيذيين، معتبرين أن القصة تمثل واحدة من أبرز المآسي الإنسانية التي يجب ألا تختفي تحت ركام الحرب.
بين القانون والفن… قضية تتجاوز النسيان
اليوم تتقاطع ثلاثة مسارات حول قضية هند رجب: المسار الإنساني الذي بدأ بمكالمة استغاثة لطفلة عالقة داخل سيارة تحت النيران، والمسار الفني الذي أعاد رواية القصة عبر شاشة السينما، والمسار القانوني الذي أوصل القضية إلى طاولة الكونغرس الأمريكي.
هذا التلاقي بين المجال التشريعي في واشنطن والعمل الفني في هوليوود خلق حالة نادرة من الضغط الأخلاقي والسياسي، حيث تحولت شهادة الضحية إلى مادة للنقاش السياسي والقانوني على أعلى المستويات.
وبغض النظر عن مصير مشروع القانون أو حظوظ الفيلم في جوائز الأوسكار، يبدو أن قصة هند رجب تجاوزت حدود الخبر العابر، لتتحول إلى قضية دولية تطرح أسئلة عميقة حول المساءلة والعدالة في زمن الحروب.
فالصوت الذي خرج من هاتف طفلة محاصرة داخل سيارة محترقة في أحد شوارع غزة لم يتلاشَ مع انقطاع المكالمة، بل ما زال يتردد اليوم في قاعات التشريع الدولية وعلى منصات السينما العالمية، حاملاً معه مطلبًا بسيطًا لكنه عميق: العدالة.