لم يكن دحّام العموش اسماً معروفاً قبل الحرب، ولا ناشطاً سياسياً بالمعنى التقليدي، بل شاباً أردنياً عادياً، مهندساً يحمل أحلاماً بسيطة: وظيفة مستقرة، بيت، ومستقبل يُبنى بهدوء. لكن ما حدث في غزة غيّر مسار حياته بالكامل، ودفعه إلى طريقٍ لم يعد منه.
تعود بداية القصة إلى عام 2021، حين وجد دحّام نفسه طرفاً في مشاجرة داخل الحي الذي يسكنه في مدينة الزرقاء. وُجّهت له حينها تهمة “الإيذاء البسيط”، وبقيت القضية مفتوحة دون حسم. رغم ذلك، لم تتوقف حياته. واصل سعيه، وغادر الأردن بشكل قانوني عبر مطار الملكة علياء، متوجهاً إلى تركيا ثم إلى قطر، حيث بدأ العمل في شركة هندسية، وتدرّج حتى تولى إدارة فيها، براتب وصل إلى ثلاثة آلاف دينار أردني. بدا وكأنه أخيراً وضع قدمه على أول الطريق.
لكن مع اندلاع الحرب على غزة، لم يعد دحّام الشخص ذاته.
بدأ يكتب. منشورات غاضبة، مباشرة، لا تلتف حول الكلمات. انتقد ما اعتبره صمتاً عربياً، وتحدث عن أدوار رسمية، من بينها الأردن، في ما وصفه بـ”التواطؤ” أو “التسهيل”، سواء عبر الجسر البري أو مواقف سياسية وعسكرية. كانت كتاباته انعكاساً لمشاهد الدم التي لم تغادر شاشته، ولا ضميره.
تقول عائلته إن الجهات الأمنية تواصلت مع شقيقه، طالبةً منه إقناع دحّام بالتوقف عن الكتابة. لكنه رفض. بالنسبة له، لم يكن ما يجري في غزة حدثاً عابراً، بل لحظة أخلاقية فاصلة، لا يمكن الصمت فيها.
بعد ذلك، تغيّر كل شيء.
تم تعديل التهمة القديمة، من “إيذاء بسيط” إلى “الشروع بالقتل”، وفق ما تؤكده العائلة. ثم جرى تعميم اسمه عبر الإنتربول، ليتم توقيفه في قطر وتسليمه إلى الأردن باعتباره مطلوباً على قضية جنائية.
عاد دحّام إلى بلاده، لكن ليس كما غادرها.
أُودع السجن، ورُفضت طلبات الإفراج بالكفالة. تقول عائلته إنه لم يُعرض على محاكمة عادلة لفترة طويلة، بينما وُجهت له لاحقاً تهمة “ذم هيئة رسمية”. ومع مرور عام دون حكم واضح، دخل دحّام في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجاً على ما اعتبره ظلماً.
في اليوم العاشر من الإضراب، اختفى.؛ لم تعرف العائلة شيئاً عنه ليومين كاملين. ثم جاءت الصدمة: دحّام في مستشفى البشير الحكومي، في حالة حرجة، بين الحياة والموت، مع تلف في خلايا الدماغ.
منذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة من المعاناة.
في غرفة العناية الحثيثة، كان دحّام على أجهزة التنفس، غائباً عن الوعي. ورغم ذلك، تقول العائلة إن وجوداً أمنياً مكثفاً أحاط بسريره، حتى وهو في غيبوبة.
مُنعوا من الاقتراب منه، أو تفحص حالته. لكن والدته تمكنت ذات مرة من الاقتراب، لتلاحظ آثار كدمات ورضوض حول رقبته، ما فتح باب الشكوك حول تعرضه لتعنيف خلال الإضراب، ربما لإجباره على إنهائه.
في المقابل، لم تحصل العائلة على معلومات طبية واضحة. قيل لهم في البداية إنه “يتحسن”، بينما كانت حالته تتدهور. لاحقاً، وبجهود فردية، عرفوا أن هناك تلفاً في الدماغ وتسمماً في الدم، وهي مؤشرات يصفها مختصون بأنها تقود غالباً إلى ما يُعرف بالموت السريري.
وهكذا مرّت الأشهر، ودحّام معلق بين الحياة والموت.
ثم، فجأة، انسحبت الأجهزة الأمنية من المشهد، وأُبلغت العائلة بأنه “أُفرج عنه”. بعد ذلك، طالبتهم إدارة المستشفى بدفع نحو عشرة آلاف دينار مقابل تكاليف العلاج. في الوقت ذاته، كانت محاولات نقله للعلاج في الخارج قد فشلت، بعد رفض تجديد جواز سفره، بحسب العائلة.
وفي تطور صادم، صدر بحقه حكم قضائي في 28 فبراير 2026، بالسجن 12 عاماً، خُفّضت إلى 8 سنوات—وذلك بينما كان يرقد في غيبوبة، غير قادر على الحركة أو الكلام.
في الخامس والعشرين من رمضان، 15 مارس 2026، انتهت القصة.
أعلن شقيقه، بسام العموش، وفاة دحّام عبر منشور على فيسبوك، دون إقامة مراسم عزاء. كلمات قليلة أنهت رحلة طويلة من الأسئلة المفتوحة: ماذا حدث داخل السجن؟ كيف وصل إلى هذه الحالة خلال أيام؟ ولماذا لم يُحقق في ذلك؟
بالنسبة لكثيرين، لم يكن مجرد معتقل، بل شاباً دفع ثمن كلمته، حين قرر أن يكتب عمّا يحدث في غزة، دون حسابات. وبين رواية رسمية صامتة، وأخرى ترويها عائلته، تبقى الحقيقة الكاملة معلّقة…