الجزائرية غنية مخلوفي..لم تغادر غزة حتى غادرت الحياة

الرسالة نت - خاص

في خيمةٍ مهترئة على أطراف مواصي خانيونس، كانت غنية مخلوفي تستلقي بصمتٍ ثقيل، جسدها المنهك يواجه ما تبقى من الحياة، بينما يجلس أحبتها إلى جانبها يراقبون ملامحها التي تذبل يومًا بعد يوم، عاجزًين عن فعل شيء سوى الانتظار.
لم تكن غنية من مواليد غزة، لكنها عاشت فيها أكثر مما عاش كثيرون، واختارتها وطنًا منذ أن جاءت من الجزائر عام 2000 بعد زواجها من الفلسطيني فؤاد قديح.

 استقرت في بلدة خزاعة شرق خانيونس، وهناك بنت حياتها البسيطة، وواجهت سنوات قاسية، كان أصعبها حين اعتُقل زوجها لسنوات طويلة، فبقيت وحدها، متمسكة بالمكان، رافضة مغادرته، كأنها وُلدت فيه لا جاءت إليه.
لم تُرزق بأطفال، لكن ذلك لم يجعلها وحيدة. كان البيت، والجيران، والحي، عالمها الكامل. ومع مرور السنوات، صارت غنية جزءًا من تفاصيل غزة اليومية، امرأة تعرفها الطرقات، وتعرف وجعها كما يعرفه أهلها.
ثم جاءت الحرب، وانهار كل شيء.

دُمّرت خزاعة، واضطرت غنية وزوجها للنزوح، لينتهيا في خيمة في مواصي خانيونس، حيث الحياة مؤقتة، وهشة، وقاسية. هناك، وكان المرض نتيجة طبيعية لكل ما تراكم من تعب وخوف ونقص في كل شيء.
بدأت حالتها الصحية تتدهور تدريجيًا. أصيبت بجلطات متتالية، في يدها وقدميها أولًا، ثم جلطة أخطر، حتى جاءت الضربة الأقسى: جلطة دماغية أدخلتها في غيبوبة.

 منذ تلك اللحظة، لم تعد كما كانت. لم تعد قادرة على الكلام، ولا على الحركة، ولا حتى على فتح عينيها كما في السابق.

أُطلقت مناشدات عدة للسماح لها بالسفر للعلاج خارج غزة، خاصة أن حالتها كانت حرجة وتحتاج إلى تدخل طبي عاجل لا يتوفر في القطاع.
لكن الطريق كان مغلقًا.
بقيت غنية واحدة من آلاف المرضى الذين ينتظرون فرصة خروج قد لا تأتي. في مكانٍ لا يُهزم فيه المرض فقط، بل يُهزم معه الأمل أيضًا، لم تصل أي استجابة، ولم يُفتح أي معبر، وبقيت في سريرها، بين الأجهزة القليلة والإمكانات المحدودة.
في الخارج، كانت الخيمة تنتظرها، كما كان النزوح ينتظر، والبرد، والحر، وكل تفاصيل الحياة القاسية التي لم تغادرها حتى في مرضها.
ومع مرور الأيام، بدأ جسدها يفقد قدرته على المقاومة. لم تعد تقوى على الصمود كما في البداية. خفتت أنفاسها تدريجيًا، حتى رحلت، عن عمر ناهز 57 عامًا، بعد رحلة طويلة من الصبر، دون أن تُمنح فرصة النجاة.
رحلت غنية مخلوفي كما عاشت: بصمت، وبوفاءٍ كامل لمكانٍ لم تولد فيه، لكنها اختارته حتى النهاية.