في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، تتزايد التحذيرات من انزلاق الأوضاع مجددًا نحو حافة المجاعة، مع تفاقم العراقيل التي تعيق دخول الإمدادات الأساسية. فالإجراءات المشددة وتعليق الشحنات الحيوية لا تعكس فقط تعقيدات المشهد الميداني، بل تنذر بتداعيات إنسانية خطيرة على أكثر من مليوني فلسطيني يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات.
تصعيد جديد: تعليق شحنات “يونيسف”
في أحدث حلقات القيود، أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعليق إدخال شحنات مساعدات إنسانية تنقلها منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” من مصر إلى قطاع غزة، بدعوى إحباط “محاولة تهريب” مواد تحتوي على النيكوتين ضمن الشحنات.
وذكرت هيئة تنسيق أعمال حكومة الاحتلال أنها أبلغت مديرة “يونيسف” بقرار التعليق، مشيرة إلى أن القرار جاء بعد اكتشاف ما وصفته بـ“مواد محظورة” خلال تفتيش الشحنات عند معبر كرم أبو سالم. وأوضحت أن التعليق سيستمر إلى حين استكمال تحقيق شامل من قبل المنظمة الدولية، وتقديم رد رسمي حول الحادثة.
وادعت السلطات الإسرائيلية أنها عثرت على زجاجات تحتوي على مواد نيكوتين مخبأة داخل علب مخصصة لمستلزمات النظافة الشخصية، مؤكدة مصادرتها، ونشرت صورة قالت إنها توثق المضبوطات.
كرم أبو سالم.. شريان وحيد تحت القيود
في المقابل، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن معبر كرم أبو سالم يُعد حاليًا نقطة الدخول الرئيسية، بل الوحيدة عمليًا، للمساعدات الإنسانية والسلع التجارية إلى قطاع غزة، في ظل استمرار القيود على بقية المعابر.
وأشار المكتب إلى أن الأمم المتحدة وشركاءها تمكنوا من إدخال كميات محدودة من المواد الغذائية والأدوية ومستلزمات النظافة، إضافة إلى مستلزمات تنمية الطفولة المبكرة وأعلاف الحيوانات، إلا أن هذه الكميات تبقى دون مستوى الاحتياجات الفعلية للسكان.
وشدد على ضرورة فتح مزيد من المعابر وتسهيل الإجراءات، بما يضمن توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية، محذرًا من أن استمرار القيود سيؤدي إلى تدهور إضافي في المؤشرات الإنسانية، خصوصًا في قطاع الأمن الغذائي.
تحذيرات من عودة المجاعة
في السياق ذاته، حذر المدير التنفيذي لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في قطاع غزة، أمجد الشوا، من أن التراجع الحاد في كميات المساعدات ينذر بعودة المجاعة إلى القطاع.
وأوضح الشوا أن حجم المساعدات التي تدخل حاليًا لا يتجاوز ثلث الكمية المتفق عليها ضمن البروتوكول الإنساني المرتبط باتفاق وقف إطلاق النار، والذي ينص على إدخال نحو 600 شاحنة يوميًا، مؤكدًا أن هذا النقص الكبير يفاقم معاناة السكان في ظل تدهور القدرة الشرائية وانعدام مصادر الدخل.
واقع هش رغم “تحسن مؤقت”
وكانت لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد أعلنت في أغسطس/آب 2025 المجاعة في مدينة غزة شمالي القطاع، قبل أن تعلن في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه انتهاءها عقب تحسن تدفق الإمدادات مع بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
غير أن اللجنة شددت، حينها، على أن هذا التحسن يبقى هشًا ومؤقتًا، إذ لا تزال الغالبية العظمى من سكان القطاع تواجه مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل ظروف معيشية كارثية خلّفتها الحرب.
قيود مستمرة وتعقيدات ميدانية
تأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه إسرائيل سيطرتها على نحو نصف مساحة قطاع غزة، بما في ذلك المناطق الحدودية، منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما يزيد من صعوبة إيصال المساعدات ويحد من قدرة الجهات الإنسانية على الوصول إلى المناطق الأكثر تضررًا.
ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، شددت إسرائيل حصارها على القطاع، ما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد وتقليص دخول السلع الأساسية، الأمر الذي دفع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى المطالبة مرارًا بالسماح بإدخال المساعدات دون عوائق.
كارثة إنسانية تلوح في الأفق
وبين الذرائع الأمنية الإسرائيلية والمطالب الأممية المتكررة بتسهيل دخول المساعدات، يبقى سكان قطاع غزة في مواجهة أزمة إنسانية متفاقمة. ومع استمرار القيود وتراجع الإمدادات، تتزايد المخاوف من انهيار الوضع الغذائي والصحي، وعودة المجاعة بشكل أوسع، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة تضمن تدفقًا كافيًا ومستدامًا للمساعدات الإنسانية.