بعد أربعة أعياد من الغياب.."نكهة غزة" تعود لتُحيي عيد الفطر في مصر

الرسالة نت - خاص



بعد أربعة أعياد متتالية مرّت ثقيلة على الغزيين في مصر منذ بدء الإبادة على قطاع غزة، تغيّر المشهد هذا العام. لم يعد العيد مجرد مناسبة عابرة تُستقبل بالحزن والقلق، بل عاد ليحمل شيئًا من روحه المفقودة، وإن ظلّ محاطًا بذكريات الألم وغياب الأحبة.

غالبية أهل غزة الذين يقيمون في مصر وصلوا إليها في ظروف استثنائية؛ بعضهم عبر تحويلات طبية بحثًا عن العلاج، وآخرون فرّوا بعائلاتهم هربًا من القصف والموت. هناك، عاشوا تفاصيل الإبادة عن بُعد، أسرى شاشات الأخبار، يتابعون كل تفصيل بقلوب معلّقة في غزة. 
خلال تلك الفترة، فقدت المناسبات طعمها، وغابت مظاهر الاحتفال، حتى إن من حاولوا إحياء بعض الطقوس فعلوا ذلك بخجل، احترامًا لدماء الشهداء وثقل الفقد.
لكن رمضان هذا العام وعيد الفطر حملا ملامح مختلفة،مع تحسّن نسبي في الأوضاع داخل القطاع واطمئنان كثيرين على ذويهم، بدأت الحياة تدبّ تدريجيًا في تفاصيل العيد. 

استعادت البيوت الغزّية في مصر شيئًا من دفئها، وتزيّنت الموائد بأطباق تحمل "نكهة غزة" الأصيلة، مثل الكعك والمعمول، في محاولة لإحياء الذاكرة الجماعية وترميم ما كسرته الحرب.

الأكثر لفتًا في هذا العيد كان فرح الأطفال، هؤلاء الذين كبروا قبل أوانهم، وعاشوا شهورًا طويلة من القلق على آبائهم الذين بقوا داخل القطاع.

 كثير منهم خرج مع أمهاتهم في ظروف قاسية، وظلّ الخوف رفيقهم اليومي. لذلك، بدت ابتساماتهم هذا العيد مختلفة؛ مزيج من الفرح والحنين، ومن الطفولة التي تحاول أن تستعيد نفسها.

في مصر، لم يكتفِ الغزّاوّة باستعادة طقوسهم، بل أعادوا إنتاجها بطرق جديدة، من مطابخ المنازل، انطلقت روائح الكعك والمعمول والسماقية والفسيخ، لتملأ أجواء الأحياء التي يسكنونها. ولم تكن هذه الأطعمة مجرد وجبات، بل تحوّلت إلى وسيلة للتماسك الاجتماعي، ومصدر دخل في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

في منطقة حدائق أكتوبر بمحافظة الجيزة، تقيم السيدة "أم وائل" مع بناتها الثلاث، بعد أن وصلت إلى مصر في يناير 2025 عبر تحويلة طبية.

تتحدث عن بداياتها الصعبة، حيث لم يكن هناك متسع للفرح أو الاحتفال، لكن مع تحسّن الأوضاع نسبيًا واطمئنانها على عائلتها في غزة، قررت أن تبدأ مشروعها الخاص في إعداد “الفسيخ”، أحد الأطباق التي تزيّن موائد العيد.

تقول إن المشروع بدأ بمجهود عائلي بسيط، حيث تعاونت مع بناتها لأسابيع طويلة في التحضير، قبل أن يتحوّل إلى مصدر دخل حقيقي. 

اللافت، بحسب حديثها، أن الإقبال لم يقتصر على الغزّاوّة في منطقتها فقط، بل امتد إلى محافظات مصرية مختلفة، خاصة في أماكن تجمع الفلسطينيين، ما منحها شعورًا بأنها لا تقدّم طعامًا فحسب، بل تزرع الفرح في قلوب مشتاقة لكل ما يذكّرها بغزة.

وفي "مدينتي" بالقاهرة، حيث يتركز عدد كبير من الغزّاوّة، برزت تجربة أخرى مع طبق "السماقية"، الأكلة الشعبية الغزّية. سمية المدهون، صاحبة مشروع منزلي، تقول إنها اعتادت في غزة إعداد السماقية وتوزيعها على الأهل والجيران، لكن في مصر تحوّل الأمر إلى مشروع صغير بعد أن لاحظت شوق الناس لأطباقهم التقليدية.

أنشأت سمية صفحة عبر تطبيق واتساب للترويج لمنتجاتها، وسرعان ما لاقت إقبالًا واسعًا، خاصة من الغزيين القادمين من أوروبا لقضاء العيد مع عائلاتهم. بالنسبة لها، لم يكن المشروع مجرد مصدر رزق، بل وسيلة للحفاظ على جزء من الهوية.

أما "أم إسلام"، فوجدت نفسها أمام طلبات كبيرة فور إعلانها استعدادها لإعداد الكعك والمعمول الفلسطيني. تؤكد أن الناس "مشتاقة لكل شيء يربطها بغزة"، حتى أدق التفاصيل، وأن هذه الأطباق أصبحت جزءًا من ذاكرة جماعية تُستعاد في الغربة.

تصف أم إسلام العيد هذا العام بأنه مختلف تمامًا عن سابقاته؛ فبعد أعوام من الحزن والانقطاع، عاد الناس للتزاور وتبادل التهاني. اصطحبت أبناءها لصلاة العيد، وهناك التقت بعشرات العائلات الغزّية، حيث سادت أجواء من الألفة وكأنهم في أحيائهم داخل القطاع. كما عادت زيارات الأقارب والجيران، بعد أن غابت في ظل استمرار الحرب خلال الأعوام الماضية.

ولم تغب التكنولوجيا عن هذا المشهد؛ فقد شاركت العائلات تفاصيل العيد مع أقاربها في غزة عبر مجموعات الواتساب، في محاولة لتقليص المسافات وتبادل اللحظات التي طال انتظارها.

هكذا، صنع الغزّازوة في مصر عيدهم الخاص؛ عيدٌ بطعم الحنين، ورائحة الوطن، وإصرار على الحياة رغم كل ما مرّوا به. وبين طبق سماقية وكعكة معمول، كانت غزة حاضرة… لا تغيب، بل تعود كل مرة بشكل مختلف، أكثر قوة، وأكثر قدرة على منح الحياة معنى.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير