في مشهد صادم يلخّص حجم التدهور الأمني والإنساني في الضفة الغربية، اقتحم مستوطنون إسرائيليون فجر الاثنين مدرسة ثانوية فلسطينية في بلدة حوارة جنوب نابلس، وأنزلوا العلم الفلسطيني من فوق ساريتها، قبل أن يرفعوا مكانه العلم الإسرائيلي ويخطّوا شعارات عنصرية على جدرانها، في اعتداء جديد يطال واحدة من أكثر المؤسسات حساسية: المدرسة.
وبحسب مصادر محلية، فإن المستوطنين استهدفوا مدرسة حوارة الثانوية للبنين الواقعة على الشارع الرئيسي، حيث كتبوا عبارات باللغة العبرية من بينها “الموت للعرب”، في خطوة أثارت حالة من الغضب والاستنكار، ليس فقط بسبب طابعها العنصري، بل لكونها استهدفت بيئة تعليمية يُفترض أن تكون آمنة للطلبة.
اعتداء على التعليم ورسالة ترهيب
وأدانت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية الحادثة، ووصفتها بأنها “انتهاك صارخ لحرمة المؤسسات التعليمية واعتداء على البيئة التربوية الآمنة”، مؤكدة أن مثل هذه الهجمات لا تستهدف المباني فقط، بل تمسّ بشكل مباشر حق الطلبة في التعلم بأمان واستقرار.
وأشارت الوزارة إلى أن هذا الاعتداء يأتي ضمن سلسلة متواصلة من الانتهاكات التي تطال المدارس والطلبة والمعلمين في الضفة الغربية، في ظل تصاعد لافت لهجمات المستوطنين منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأكدت أن استمرار هذه الاعتداءات يهدد العملية التعليمية برمتها، داعية إلى ضرورة توفير حماية دولية للمؤسسات التعليمية، وضمان عدم تكرار مثل هذه الهجمات التي تزرع الخوف في نفوس الطلبة وتؤثر على حياتهم اليومية.
الحادثة في حوارة لم تكن معزولة، بل تأتي في سياق تصعيد أوسع تشهده مناطق متفرقة من الضفة الغربية، حيث تتكرر اعتداءات المستوطنين على الممتلكات الفلسطينية، بما يشمل المدارس والمنازل والأراضي الزراعية، وغالبًا ما تتم هذه الهجمات تحت حماية جيش الاحتلال، وفق ما تؤكده مصادر فلسطينية.
وفي هذا الإطار، أدانت بعثات دبلوماسية غربية في القدس ورام الله مؤخرًا تصاعد ما وصفته بـ“إرهاب المستوطنين”، محمّلة إسرائيل المسؤولية القانونية بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ومعربة عن قلقها العميق إزاء تزايد عمليات القتل والانتهاكات بحق الفلسطينيين خلال الأسابيع الماضية.
وتعكس هذه الإدانات الدولية تنامي القلق من تحوّل الضفة الغربية إلى بؤرة توتر متصاعدة، في ظل غياب إجراءات رادعة لوقف اعتداءات المستوطنين أو محاسبة المسؤولين عنها.
ووفق معطيات فلسطينية رسمية، فقد أسفرت اعتداءات الجيش والمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، منذ اندلاع الحرب على غزة، عن مقتل أكثر من 1100 فلسطيني، وإصابة آلاف آخرين، إلى جانب اعتقال عشرات الآلاف.
ويعيش في مستوطنات الضفة الغربية نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي، بينهم قرابة 250 ألفًا في شرقي القدس، في واقع ديمغرافي معقّد يفاقم من حدة الاحتكاك اليومي، ويزيد من احتمالات التصعيد.
"حرب مفتوحة" على الوجود الفلسطيني
من جانبه، اعتبر حسام بدران، عضو المكتب السياسي في حركة "حماس"، أن تصاعد اعتداءات المستوطنين يعكس تحول هذه الهجمات إلى “حرب مفتوحة” تستهدف الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد على الأرض.
وأكد بدران أن هذه المرحلة تتطلب تحركًا وطنيًا عاجلًا، مشددًا على أهمية تعزيز صمود المواطنين في المناطق المستهدفة، ودعم المبادرات الشعبية التي تتصدى لاعتداءات المستوطنين.
وأشاد بما وصفه “شجاعة الشبان والمجموعات الشعبية” التي تدافع عن القرى والممتلكات، معتبرًا أنها تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الهجمات.
كما دعا إلى تفعيل دور اللجان الوطنية ولجان الحماية الشعبية في مختلف القرى والبلدات، بهدف رفع مستوى الجهوزية والتصدي لما وصفه بـ“الإرهاب المنظم” المدعوم من حكومة الاحتلال، إلى جانب ضرورة توحيد الجهود بين القوى والفصائل الفلسطينية.
بين المدرسة والميدان واقع يتآكل
حادثة اقتحام مدرسة حوارة تعكس بوضوح كيف لم تعد المؤسسات التعليمية بمنأى عن الصراع، بل أصبحت جزءًا من دائرة الاستهداف، في ظل بيئة تتسم بالعنف والتوتر المتصاعد.
فالمدرسة، التي يفترض أن تكون مساحة آمنة للتعلم وبناء المستقبل، تحوّلت في هذه الحالة إلى ساحة لرسائل الكراهية والترهيب، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العملية التعليمية في ظل هذه الظروف.
ومع استمرار التصعيد، يخشى فلسطينيون من أن تتكرر مثل هذه الاعتداءات، ليس فقط على المدارس، بل على مختلف مظاهر الحياة اليومية، في ظل غياب أفق سياسي، واستمرار حالة التوتر والانفلات.
في المحصلة، تبدو الضفة الغربية اليوم أمام واقع أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الاعتداءات الميدانية مع رسائل سياسية وأمنية، لتشكّل معًا مشهدًا مفتوحًا على مزيد من التصعيد، في وقت يدفع فيه المدنيون، وفي مقدمتهم الأطفال، الثمن الأكبر.