أضحت حكومة التوافق بضعف أدائها اتجاه غزة وكأنها سكرتارية لدى محمود عباس الذي يشغل منصب رئيس السلطة الفلسطينية, الواضح من خطاباته أنه لا يحمل أي رغبة تجاه تحسين أوضاع قطاع غزة المحاصر .
الحكومة بدت لا تملك من أمرها شيئا, فرئيسها ما توقف عن تمجيد عباس في كل مؤتمر له, بينما يضرب بعرض الحائط مناشدات مستشفيات غزة, واستغاثات أهالي الموظفين المحرومين من رواتبهم للشهر السادس على التوالي!
ماذا يريد عباس من غزة؟ وإلى متى سيبقى هذا الحال؟ وهل ستُفعّل الحكومة لاحقًا وزاراتها في غزة ؟ وهل غزة ستحتمل غزة كل هذا الإهمال ؟ أسئلة لا تجد لها جوابًا غير أن ضريبة الصمود في وجه العدوان الاسرائيلي الأخير على غزة يدفعها الغزيون لقائد السلطة محمود عباس .
بعيدًا عن ملف الرواتب والموظفين, والميزانيات التشغيلية للوزارات المختلفة , يبرز الملف الإنساني (الصحة والتعليم) الذي من شأنه أن يودي بغزة إلى كارثة صحية وإنسانية لا خلاص منها.
الرئيس عباس بانت مواقفه التي تحشد العداء لغزة, تارةً في المحطات التلفزيونية المصرية يتكلم وكأن غزة منطقة عدو, وتارةً في مهرجانات فتح يهلل ضد حركة حماس وأجهزتها الأمنية, متناسيًا ما يقرب من مليوني شخص يعيشون في غزة مرارة الحصار الإسرائيلي, فيما لم يُبد استيائه من ذلك !
أما رئيس الحكومة رامي الحمد الله فهو يتبنى وبشكل علني خطاب حركة فتح والسلطة الفلسطينية, يتحجج بأن الأمن في غزة ليس بيده، والمعابر ما زالت تحت سيطرة حكومة غزة السابقة, فيما تقول الأخيرة أنها مستعدة لتسليم زمام الأمور كافة لحكومة التوافق, حينها لا تسمع ردًا من الحمد الله, وكأنما عليه توجيه الاتهامات واختلاق الحجج فقط .
الحمد الله وحكومته زاروا غزة لمرة واحدةً قبيل مؤتمر إعمار غزة بالقاهرة, وقيل وقتها أنها لأخذ الشرعية الكاملة في التحدث بإسم المنكوبين بغزة لحشد الأموال لخزينة السلطة، وهي كانت بالفعل كذلك بدليل أنها لم تكرر زيارتها لغزة مجددًا , مما يضع علامات استفهام كبيرة على نواياها اتجاه غزة!؟ .
الأمر الذي اكتشفته حركة حماس حديثًا إذ قال خليل الحية القيادي فيها: "حكومة التوافق والسلطة تسارع لأخذ نصيبها من أموال الإعمار المخصصة للمظلومين، ولمن ما زالوا في بيوت الإيواء.. والسلطة لا يهمها شيء وتبحث عن نصف ما قدر للإعمار لضمها لخزيتها التي تأخذها دون أن تقوم بمسئولياتها تجاه غزة".
حماس الشريك الأساسي في كل القضايا الفلسطينية ضاقت ذرعًا بتقصير حكومة الحمد الله وأعلنتها صراحة بقول الحية: " لمن تتركون الصحة والكهرباء ومشاكل وأزمات شعبكم، مسئوليتكم أن تحلوا مشاكل الإعمار والحصار والصرف الصحي وغيرها، وإن لم تستطيعوا فارحلوا ويأتي ألف رجل من رجال فلسطين".
في العدوان الأخير على غزة تذبذبت خطابات عباس, بإبداء شعور خجول بالأسى على الشهداء أو الضحايا, فيما لم تخلُ نبرة حديثه من توجيه الاتهام للمقاومة الفلسطينية على أن لا جدوى من الكفاح المسلح ضد الاحتلال الاسرائيلي, داعيًا لسياسته التي تنص على المقاومة الشعبية والتي حرمتها أجهزته الامنية في كثير من الأحيان .
في هذه اللحظات .. مستشفيات غزة تغرق في أكوام القمامة بعد إضراب الشركات العاملة فيها, بسبب رفض وزير الصحة جواد عواد صرف مخصصاتها دون أي سبب , إذ يقول يوسف أبو الريش، وكيل وزارة الصحة، حياة المرضى الآن داخل المستشفيات أصبحت في خطر حقيقي، وعلى الجميع التحرك العاجل لإنقاذهم ، قبل فوات الأوان".
ودعا حكومة التوافق الوطني التي يترأسها رامي الحمد الله، لمعالجة الأزمة الراهنة مع عمال النظافة للعودة إلى عملهم من جديد، معتبرا التلاعب بحياة المرضى ابتزاز سياسي لا يمكن القبول به.
أبو الريش تحدّث أمام وسائل الاعلام مع وزير الصحة بحكومة التوافق وأوضح له صعوبة الوضع الذي ردّ بكل برودة أعصاب: "وين دخل المستشفى!؟"، يتسائل عن مبالغ مالية لا تكفي لعمل المستشفى لأيام, فيما ينتقد الوزير لغة حديث وكيل الوزارة معه متناسيًا آلام المرضى ومستلزمات المستشفيات.
عباس بدوره، ربط حياة المرضى في غزة وآلام المشردين , ومشاكل القطاع بالمناكفة السياسية التي يقودها شخصيًا ضد حركة حماس، بدلًا من أن يكون راعيًا للكل الفلسطيني , فلم يفكر حتى اللحظة بزيارة غزة على الرغم من تعرضها لحرب طاحنة وحصار منذ 8 سنوات ولم ينته بعد, كدليلٍ على إهماله الواضح لها وأهلها .
ويتغنى عباس بمتانة علاقته مع الرئاسة المصرية, إلا أنه يبدو لم يسمع بعد بآلام المرضى على بوابة معبر رفح المغلق منذ 40 يومًا، ولا استغاثات الطلبة ممن سيفقدون مقاعدهم في الخارج, وكأنما صلة العلاقة ترتبط بمصالح ذاتية لا وطنية تخدم الشعب بأكمله.
بعض الأصوات نادت بإبعاد عباس عن المشهد, بأنه لم يصلح لقيادة كلًا من منظمة التحرير وحركة فتح والسلطة الفلسطينية , ومنهم الدكتور يحيى العبادسة الذي قال :" إسقاط عباس يعد حاليا أولوية كبرى لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، داعيا إلى حشد ثلثي أعضاء المجلس التشريعي للتأكيد على عدم شرعيته".
إلا أن عباس المتحامي بدعم إقليمي ودولي لمواقفه المتناغمة مع آرائهم , بدا أكثر صلابةً في مقعده , ولكن إن أتت الانتخابات الفلسطينية القادمة قد تطيح به نتيجة عدم رضا قواعد شعبية واسعة عن أدائه في إدارة المشروع الفلسطيني الداخلي والخارجي سواءً في الضفة المحتلة أو في قطاع غزة .
كل آلام غزة وجراحاتها لم تثر نخوة الرئيس , ولم يُر منه أي موقف تجد فيه ذاك الزعيم الذي يحنو على أبناء شعبه, فعباس في واد ملّ من سماع استغاثات غزة, والشعب في واد ينتظر نجدته .
مناشدة تتلوها أخرى تتأوه بها غزة، رئيس لا يُصغى لها بل يتعمد تجاهلها , وحكومةٌ ترى بأنها لا تتحمل مسؤولية هذا الجزء من الوطن , بينما يغرق أهلها في مياه الأمطار, وركام المنازل , ومرضاها يموتون في مستشفياتها من قلة النظافة إلى أجلٍ غير مسمى .