أشبه بسيناريو إسقاط أبو عمار

أزمة المقاطعة.. هل تطيح برأس السلطة ؟

الرسالة نت- شيماء مرزوق

على صفيح ساخن تزداد حرارة الأحداث الدائرة في مقر المقاطعة الفلسطينية برام الله والتي حاول الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومن حوله إخفاء الأزمات المتلاحقة التي تعصف بها وانكار وجودها إلا أن سلسلة من الأحداث التي شهدتها رام الله خلال الأشهر القليلة الماضية تشي بأن أزمة طاحنة تعصف بقيادة السلطة رغم محاولات التعتيم المتعمدة.

قرار رئاسي صادم صدر مطلع شهر نوفمبر الماضي باعتقال كل من بسام زكارنة رئيس نقابة الموظفين العموميين وعضو مجلس ثوري فتح, وابراهيم خريشة مدير المجلس التشريعي دون ايضاحات حول سبب الاعتقال الذي لم يدم سوى عدة أيام.

لم يجد الكثيرون تفسيرًا  لقرار الرئيس إلا أنه رفض لأي شكل من أشكال المعارضة لقراراته وسياساته وإنهائه أدوار أشخاص كان يستخدمهم كأدوات يخدمونه في بعض الملفات وعندما علت أصواتهم أكثر من المسموح كان يجب إقصاؤهم.

الأحداث التي تسارعت عقب قرارات الاعتقال تؤكد أن المقاطعة تشهد صراعًا داميًا بين رؤوس السلطة, الذي يتوجس من مؤامرة كبيرة تحاك ضده.

سياسة الإقصاء

الأعوام الأخيرة في مقر المقاطعة عنوانها الأبرز بالنسبة لأبو مازن هو الاقصاء التام لكل معارضيه, واللافت في الأمر أنه بدأ يطال المقربين منه بعد أن ظن بعض المتابعين أنه سيقتصر على القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان والمحسوبين عليه, لكن ما يمارسه عباس من إقصاء أعمى ضد الجميع يعكس بالدرجة الأولى خوفًا وتوترًا شديدين يعيشهما الرئيس.

الأخبار المتواترة من المقاطعة حول الاستقالات المتكررة مرة لرئيس الحكومة رامي الحمدلله عقب المشادة الكلامية على الهواء مباشرة بينه وبين عزام الأحمد والذي اتهمه فيها بأنه عين شقيقة زوجته خولة الشخشير وزيرة للتربية والتعليم, أعقبها حديث عن استقالة الأخيرة, ورغم تسريب ونشر نص رسالة الاستقالة إلا أن الرئاسة عادت لتنفي أمر الاستقالات.

لكن القنبلة المدوية التي هزت أرجاء المقاطعة كانت عندما نشر المذيع ماهر شلبي خلال برنامجه التلفزيوني "حكي عَ المكشوف" خبر مفاده أن ياسر عبد ربه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وأحد المقربين من الرئيس اجتمع سرا في الامارات مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ودحلان وسلام فياض.

وتشير الأنباء الى أن العلاقات بين عبد ربه وعباس شهدت تطورا خطيرا، خاصة بعد وصول معلومات رسمية لعباس بإجراء عبد ربه لقاءات سرية مع مسؤولين في الإدارة الأمريكية وشخصيات مرموقة داخل الأوساط (الإسرائيلية).

عبد ربه الذي قرر مقاضاة المذيع يقال بأن قرار إقالته على مكتب الرئيس في انتظار التوقيع ما يعني أن المعلومات الواردة ليست محض إشاعات أو افتراءات.

"لا أثق في أحد لا فتح ولا حماس لا (إسرائيل) ولا العرب" حديث عباس في المحضر المسرب لاجتماع الدوحة الذي عقد أثناء الحرب على غزة مع حركة حماس وبحضور أمير قطر يشير إلى حجم الخوف الذي يسيطر على الرجل ويجعله لا يثق بكل من حوله.

ويبدو أن اجتماع كالذي عقده عبد ربه إن صحت الأنباء يعني لعباس مؤامرة ومحاولة للانقلاب عليه أو تحجيمه بمشاركة أطراف عربية وأميركية وإسرائيلية.

لعبة الأمس

ويبدو من الواضح أن الرئيس عباس يشعر أنه في أيامه الأخيرة ويحاول التمسك بكل قوته بمنصبه ويحارب كل من يحاول الانقلاب عليه.

وفي محيط الرئيس يبدو اللاعبون المؤثرون أكثر من فريق، فمن ناحية تلعب أجنحة فتح المتصارعة وعلى رأسها تيار دحلان دورًا قويًا في المشهد السياسي برام الله رغم اقصائه, بينما رجال المال والأعمال يقفون متأهبين ويتحكمون بجزء كبير من أوراق اللعبة السياسية على اعتبار أن من يملك المال يملك القرار.

لكن في زاوية غير بعيدة يبدو الجنرالات ورجال الأجهزة الامنية وعلى رأسهم اللواء ماجد فرج مدير المخابرات العامة يلعبون الدور الأقوى لكن خلف الكواليس في مقر المقاطعة, وقد كثرت الشائعات مؤخرا حول دور فرج وإمكانية أن يصبح رئيس السلطة المقبل.

خاصة أنه يحظى بدعم من الولايات المتحدة ومرضي عنه من (إسرائيل) والتي عمليا من الصعب جدا لأي شخصية فلسطينية أن تجلس على كرسي الرئاسة دون موافقة ودعم (إسرائيل) والولايات المتحدة, لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد منافسين كثر للرجل قد يحاولوا منع وصوله للمنصب.

تواتر الأخبار من رام الله حول طلب عباس توفير حماية أمنية أميركية إضافية للرئيس عباس، دون نفي رسمي، له أكثر من تفسير فقد يكون رغبة من الطرف المنافس في الصراع داخل فتح برفع درجة المواجهة معه، أو أن الرجل فعلا يشعر بالخطر على حياته من ذاك الطرف, بحسب المحلل السياسي عدنان ابو عامر.

رغم الارتباك الذي يسيطر على الرئيس لكنه أكثر الناس دراية بأصول اللعبة السياسية والتي لعبها باحتراف سابقا عندما جاءت به أميركا و(إسرائيل) وحضروه لخلافة الرئيس الراحل ياسر عرفات.

ورغم أنه كان الاقرب لعرفات إلا أنه انقلب عليه وشارك في المؤامرة الكبيرة التي حيكت ضده للتخلص منه بالتحالف مع دحلان وأطراف خارجية.

وما أشبه اليوم بالبارحة فاللعبة التي أمسك خيوطها عباس سابقا اليوم بدأت تنفلت من يديه وبعدما أقصى أقرب حلفائه سابقا "دحلان" خشية أن يعيد اللعبة ضدها, بات ذراعه الأمنية القوية "فرج" والأقرب لاذنيه المرشح الأقوى وصاحب الأسهم الأعلى في مؤشر الرئيس الخليف له

في ارتفاع مستمر.

وأمام هذه التحديات الكبيرة التي يواجهها يجد عباس نفسه عاريا لذا بدأ يلتفت لحركة فتح ويحاول اللعب على وتر التنظيم ليسنده في أزمته.

المحلل السياسي أبو عامر تحدث عن تسريبات تشير إلى أن الرئيس عباس عقد اجتماعًا مع قيادات وكوادر فتح في رام الله أخبرهم خلاله أن المستقبل سوداوي، وبدا كمن يواجه صراعا وجوديا غير مسبوق، مع تحالف داخلي وخارجي، ونجاته تحتاج إلى معجزة, لأن الهدف هو المجيء بمن يستعد، ويستطيع أن يقدم تنازلات لـ(إسرائيل)، لا يستطيع هو تقديمها.

المعلومات السابقة لها ما يؤكدها على الارض فالإعلان المفاجئ عن عقد المؤتمر السابع للحركة  الشهر المقبل بعد التأجيل المتكرر ينبأ بأن الرجل لم يعد يجد أمامه الا التنظيم يسنده في أزمته.

إطلاق النار والعراك الذي يصاحب كل اجتماعات تنظيم فتح ذات الأجنحة المتصارعة هو مجرد "بروفة" ومشهد مصغر للصراع الحقيقي بين الكبار, كما أن التنظيم الذي يغلي غضبا على سياسيات أبو مازن قد لا يلتفت اليه بل قد يكون أحد العناصر المساعدة على التخلص منه بأي ثمن, لكن التوقعات تشير الى ان الازمة الحالية قد تطيح بكثير من رؤوس السلطة وصولا الى الرأس الكبير.