تصاعد اعتداءات المستوطنين في مسافر يطا: حصار متدرّج وتهديد متفاقم بالتهجير

الرسالة نت - خاص


تشهد منطقة مسافر يطا تصاعدًا خطيرًا في اعتداءات المستوطنين، في سياق مشروع استيطاني متدرّج يستهدف تفريغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين وفرض واقع ديموغرافي جديد. فمنذ عام 2001، بدأ المستوطنون بإنشاء أكثر من عشر بؤر استيطانية، شكّلت مع الوقت طوقًا خانقًا يحيط بنحو 19 تجمعًا فلسطينيًا، ما وضع هذه التجمعات أمام خطر دائم يتمثل في التهجير القسري وفقدان مصادر العيش.

وخلال عامي 2023 و2024، تسارع التوسع الاستيطاني بشكل ملحوظ، عبر إقامة بؤر جديدة وتوسيع القائم منها، إلى جانب تطوير البنية التحتية المرتبطة بها، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو إحكام السيطرة على الأرض وتضييق الخناق على السكان الفلسطينيين، خاصة في المناطق الريفية المعزولة.

 استغلال للانشغال الإقليمي
وفي سياق متصل، أفاد تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان برصد 443 اعتداءً نفذها مستوطنون خلال شهر واحد فقط من اندلاع الحرب والتوتر الإقليمي الراهن، ما يشير إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة العنف. وتركزت هذه الاعتداءات في عدة محافظات، أبرزها نابلس بـ108 اعتداءات، والخليل بـ99 اعتداءً، ورام الله بـ76 اعتداءً، إلى جانب بيت لحم والقدس وسلفيت، فضلًا عن أريحا وقلقيلية.

وفي مسافر يطا تحديدًا، تعرّضت قرية الطوبا لهجوم عنيف من قبل مستوطنين، أسفر عن إصابة طفل وشاب، وفق ما أفاد به الناشط ضد الاستيطان أسامة مخامرة. وأوضح أن المستوطنين اعتدوا على المواطنين ورشّوا غاز الفلفل، ما أدى إلى إصابة شاب بحالة اختناق، إضافة إلى إصابة الطفل عوض خليل عوض (5 سنوات) بجروح ورضوض في الرأس بعد دفعه أرضًا، وقد تم علاج المصابين ميدانيًا.

اعتداءات لاتتوقف
ولم تقتصر الاعتداءات على الأفراد، بل طالت الممتلكات وسبل العيش، حيث سرق المستوطنون عددًا من رؤوس الماشية، كما هاجموا مزارعين في منطقة "اشكاره" جنوب يطا، وطاردوهم تحت حماية جنود الاحتلال، الذين أطلقوا قنابل الصوت والغاز، واعتقلوا عددًا من المواطنين بعد تحطيم هواتفهم، في مشهد يعكس تصعيدًا مركّبًا يجمع بين العنف الجسدي والتضييق المعيشي.

إلى جانب ذلك، تواجه التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا تهديدًا قانونيًا مستمرًا، إذ تصنّف سلطات الاحتلال مساحات واسعة من المنطقة على أنها "مناطق إطلاق نار"، وهو تصنيف يُستخدم كذريعة لمنع البناء الفلسطيني وهدم المنازل والمنشآت، رغم أن هذه التجمعات قائمة منذ عقود. وقد تعزز هذا التهديد عقب قرار المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2022، الذي أجاز إخلاء سكان عدة تجمعات، ما وضع أكثر من ألف فلسطيني تحت خطر التهجير القسري.

وتعتمد غالبية العائلات في المنطقة على تربية المواشي والزراعة، إلا أن اعتداءات المستوطنين المتكررة، بما في ذلك سرقة المواشي ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، أدت إلى تآكل هذا المصدر الحيوي. كما يتعرض المزارعون لاعتداءات متكررة خلال مواسم الزراعة والحصاد، ما يحرمهم من استثمار أراضيهم ويعمّق من أزمتهم الاقتصادية.

تضييق مستمر 
ولا يقتصر التضييق على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، حيث تعاني التجمعات من نقص حاد في المياه والكهرباء، في ظل قيود مشددة على تطوير أي بنية تحتية. كما تُهدم الخيام والمنشآت البسيطة التي يستخدمها السكان للسكن أو التعليم، بما في ذلك مدارس بدائية تخدم الأطفال في المناطق النائية.

وفي السياق ذاته، وثّقت منظمات حقوقية، من بينها منظمة بتسيلم، نمطًا متكررًا من الاعتداءات التي تجري بحضور أو حماية قوات الاحتلال، التي نادرًا ما تتدخل لوقفها، بل تقوم أحيانًا باعتقال الضحايا أنفسهم، ما يعزز حالة انعدام الحماية ويشجع على مزيد من التصعيد.

كما تحوّلت بعض البؤر الاستيطانية إلى نقاط انطلاق لهجمات منظمة، حيث يقيم فيها مستوطنون مسلحون بشكل دائم، وينفذون اعتداءات متكررة على التجمعات القريبة، في إطار خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين.
ومنذ صبيحة الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 شباط/فبراير من العام الجاري، تصاعدت وتيرة هذه الاعتداءات بشكل لافت، حيث استغل المستوطنون حالة التوتر الإقليمي لتكثيف هجماتهم، التي وصلت في بعض الحالات إلى حد القتل المباشر، في ظل غياب المساءلة واستمرار الحماية التي توفرها قوات الاحتلال.

ويعكس هذا الواقع المتفاقم في مسافر يطا نمطًا ممنهجًا من العنف الاستيطاني، يتجاوز كونه اعتداءات متفرقة، ليشكّل منظومة متكاملة من الضغوط الأمنية والقانونية والاقتصادية، تهدف في مجملها إلى إفراغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين وفرض وقائع جديدة على الأرض، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني.