زحف الدمار من شرق غزة نحو عمق المدينة… حصار متدرج ومعاناة نازحين تتسع يومًا بعد يوم

غزة - خاص الرسالة نت

منذ أسابيع، لم تهدأ خطوط القتال على الجبهة الشرقية لمدينة غزة. 

ومع كل يوم جديد، يقترب صوت القصف أكثر فأكثر من عمق المدينة، في عملية زحفٍ بطيئة ومنهجية يتبعها الاحتلال (  الإسرائيلي)، وكأنها موجة دمار تزحف بلا توقف، تلتهم الأحياء واحدًا تلو الآخر، تاركة وراءها مساحات شاسعة من الخراب.

كشفت صور جوية حديثة التُقطت من طائرات تحلق على ارتفاعات متوسطة عن حجم الدمار الهائل الذي أصاب مناطق واسعة في قطاع غزة بعد أشهر من القصف المكثف. وتظهر هذه الصور دمارًا شاملاً للبنية التحتية ومناطق سكنية كاملة فقد سكانها بيوتهم، حيث تحولت أحياء بأكملها إلى أنقاض متداخلة دون وجود فواصل واضحة بين المباني والطرقات.

في حيّ الشجاعية، حيث بدأت الموجة الأخيرة من التدمير، تحوّلت الشوارع التي كانت تضج بالحياة إلى ممرات خالية، إلا من الركام والحفر التي خلفتها القذائف. أسقف المنازل منهارة، النوافذ محطمة، وأبواب البيوت إما مخلّعة أو مدفونة تحت الأنقاض. هنا، لا تكاد تجد أثرًا للحياة سوى بعض القطط الشاردة، أو أناس يمرون على عجل، يبحثون بين الركام عن وثيقة أو صورة أو بقايا ذكرى.


تركزت الأضرار بصورة خاصة في شمال وشرق مدينة غزة، حيث اختفت المباني بشكل كامل وتحولت إلى كتل خرسانية مدمرة تغطي الشوارع الرئيسية والفرعية.

 بعض المناطق بدت وكأنها أُزيلت من الخريطة، مما يعكس شدة الدمار والآثار الكارثية للقصف. 

وتُظهر الصور الجوية أيضًا إنشاء مقابر جديدة في مناطق متفرقة وسط الأنقاض والخيام، مما يشير إلى ارتفاع كبير في عدد الضحايا وصعوبة الوصول إلى المقابر الرسمية.

مع توغل القوات الإسرائيلية من الشرق، شهدت المدينة موجات نزوح متلاحقة. 

كثير من العائلات اضطرت إلى ترك منازلها أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، متنقلة بين أحياء ومراكز إيواء مكتظة. المدارس والمساجد تحولت إلى ملاجئ مؤقتة، لكن ضيق المساحة وكثرة الوافدين جعلت ظروف الإقامة قاسية للغاية.

في إحدى مدارس غرب غزة، يقول أبو أحمد عرفات ، وهو نازح من حي التفاح : "تركنا كل شيء خلفنا، لم نأخذ سوى بعض الملابس والوثائق. الطريق كان خطيرًا، والقصف لا يتوقف. الآن نحن هنا، لكن لا نشعر بالأمان… الغارات تقترب كل يوم".

أما أم محمود حسني ، التي نزحت من الشجاعية قبل أيام، فتصف رحلتها بأنها "انتقال من موت إلى موت"، مضيفة: "أينما نذهب، يلحقنا القصف. لا نعرف إلى أين نهرب بعد الآن".

وفي السياق، كشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن نحو 88% من مساحة القطاع دمرت، وأن  (إسرائيل) ألقت عليه 125 ألف طن من المتفجرات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وقال -في بيان- إن جيش الاحتلال "سيطر على 85% من مساحة غزة، وهجر نحو مليوني مدني، مخلفا خسائر تتجاوز 62 مليار دولار". 
وأوضح أن إسرائيل دمرت 38 مستشفى و96 مركز رعاية، إضافة إلى استهداف 144 سيارة إسعاف.

مع تدمير واسع للبنية التحتية حيث يعاني السكان من غياب شبه كامل للخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء. 

العديد من العائلات لجأت إلى خيام أقيمت على أنقاض منازلها، في ظروف صعبة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

 وتشير التقديرات الهندسية إلى تراكم أكثر من 50 مليون طن من الركام، ما يتطلب جهودًا طويلة ومعدات ثقيلة لإزالته، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الحصار المفروض.

تكتيك التقدم البطيء

 ويتبع الاحتلال  استراتيجية "التقدم البطيء" نحو قلب غزة، عبر السيطرة على الممرات الرئيسية مثل شارع صلاح الدين، وعزل الأحياء عن بعضها البعض. هذا التكتيك لا يهدف فقط إلى السيطرة العسكرية، بل أيضًا إلى استنزاف السكان ودفعهم للنزوح القسري، في ظل غياب أي ممرات آمنة حقيقية.

خريطة العمليات تشير إلى أن التوغل من الشرق يهدف للضغط على وسط المدينة، وإحكام الطوق حول مناطق لا تزال مكتظة بالمدنيين، ما يرفع المخاطر الإنسانية ويجعل أي حركة للسكان محفوفة بالخطر.

أزمة إنسانية خانقة
الزحف العسكري يرافقه حصار خانق على المقومات الأساسية للحياة. المياه الصالحة للشرب نادرة، والكهرباء مقطوعة منذ عامين، والمواد الغذائية تصل بكميات محدودة جدًا. الطوابير أمام نقاط توزيع المساعدات تمتد لساعات، وفي كثير من الأحيان ينفد المخزون قبل أن يصل الدور إلى الجميع.

في مخيم مؤقت أقيم في ساحة إحدى المدارس وسط غزة، جلس عشرات الأطفال على الأرض يتقاسمون رغيفًا واحدًا، فيما تحاول الأمهات تهدئتهم رغم الجوع. يقول أحد المتطوعين في الإغاثة: "الاحتياجات أكبر بكثير من الإمكانيات. لا توجد أغطية كافية، والأدوية الأساسية مفقودة، والبرد يزداد قسوة ليلًا".

مدينة تضيق يومًا بعد يوم
في ظل استمرار هذا الزحف، تتقلص المساحة التي يمكن اعتبارها "آمنة" داخل غزة. ومع كل يوم يمر، تصبح المدينة أشبه بوعاء محاصر يُضغط من جميع الجهات، حيث لا مخرج ولا مهرب.

وبينما تستمر الجرافات والمدرعات في التقدم، يظل السؤال الأكبر بلا إجابة: إلى أين سيذهب مئات آلاف النازحين إذا سقطت الأحياء المتبقية في قلب المدينة تحت نيران الاحتلال؟

هنا، في غزة، لا تعني كلمة "نزوح" الرحيل المؤقت، بل هي فصل متكرر من رحلة بحث عن الحياة وسط خريطة موت متحركة. وحتى الآن، لا شيء يوقف هذا الزحف القاتل.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير