القوارض والحشرات تغزو مخيمات النزوح وسط انهيار بيئي وصحي

الرسالة نت - متابعة


في مشهد يختصر حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة، يواجه آلاف النازحين في مخيمات دير البلح وسط قطاع غزة خطرًا متصاعدًا لا يقل فتكًا عن الحرب نفسها، مع تفشي غير مسبوق للقوارض والحشرات في بيئة ملوثة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

داخل خيام مهترئة تحيط بها المياه الراكدة وتغيب عنها شبكات الصرف الصحي، تتكاثر الحشرات بأعداد هائلة، فيما تجوب الفئران أماكن النوم والطعام بلا رادع، محولة حياة النازحين إلى كابوس يومي. ويؤكد السكان أن المخيمات لم تعد صالحة للسكن، في ظل انتشار الذباب والصراصير والبعوض، إلى جانب تسجيل حالات أذى مباشر، من بينها تعرّض طفلة لعضة فأر داخل خيمتها.

ويقول نازحون إن المعاناة تجاوزت حدود الاحتمال، مع تزايد الإصابات بالأمراض الجلدية والحكة، وانتشار النزلات المعوية والتهابات الجهاز التنفسي، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من شح حاد في الإمكانيات والأدوية. ويُحذر الأهالي من أن الأطفال هم الأكثر تضررًا، خاصة في ظل سوء التغذية وضعف الرعاية الصحية.

من جانبه، دقّ المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، خليل الدقران، ناقوس الخطر، مؤكدًا أن المستشفى يستقبل أعدادًا متزايدة يوميًا من المرضى المصابين بأمراض مرتبطة بالتلوث البيئي، محذرًا من أن استمرار هذه الظروف ينذر بتفشي أوبئة واسعة يصعب احتواؤها.
وفي موازاة ذلك، تكشف ورقة موقف استراتيجية أعدها خبير الصحة العامة والبيئة الدكتور سعود صالح الشوا، أن قطاع غزة يعيش واحدة من أخطر الأزمات البيئية في تاريخه الحديث، نتيجة تراكم ملايين الأطنان من الركام والنفايات، إلى جانب وجود أكثر من 70 ألف طن من الذخائر غير المنفجرة، وتجمعات واسعة لمياه الصرف الصحي.

وتوضح الورقة أن هذه البيئة الكارثية شكّلت حاضنة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات، خصوصًا البراغيث والبعوض، ما يفتح الباب أمام انتشار أمراض خطيرة مثل الليبتوسبيروز والسالمونيلا، وصولًا إلى احتمالات تفشي أوبئة فتاكة، فضلًا عن تهديد مباشر للأمن الغذائي نتيجة تلوث المواد الغذائية.

وتبرز أزمة منع إدخال المبيدات كأحد أخطر العوامل التي تُفاقم الوضع، حيث لا تزال مواد فعالة مثل “بروموديالون” و”بيرمثرين” محظورة من الدخول، رغم الحاجة الملحة إليها، في ظل غياب أي بدائل محلية آمنة وفعالة.
وفي هذا السياق، دعت الورقة إلى تدخل دولي عاجل، مطالبة باعتبار مبيدات القوارض والحشرات من الاحتياجات الإنسانية الأساسية، على غرار الأدوية واللقاحات، مع ضرورة تحرك جهات دولية مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة لتوفير هذه المواد بشكل فوري.

كما شددت على أهمية دعم جهود إزالة الركام والنفايات، وإطلاق حملات توعية صحية عاجلة، إلى جانب تشكيل لجنة دولية مختصة لمتابعة الأزمة البيئية المتفاقمة في غزة، وضمان إدخال المستلزمات الضرورية دون تأخير.
وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد نداءات الاستغاثة من داخل المخيمات، حيث يؤكد النازحون أن ما يعيشونه لم يعد مجرد معاناة إنسانية، بل تحول إلى تهديد وجودي حقيقي، مع تحوّل أماكن النزوح إلى بؤر مفتوحة للأمراض.

ومع استمرار غياب الحلول، يحذر مختصون من أن غزة تقف اليوم على أعتاب كارثة وبائية شاملة، قد تتجاوز آثارها حدود القطاع، إذا لم يتم التدخل بشكل عاجل لاحتواء هذا الانهيار البيئي والصحي المتسارع.