لتعلم حركة حماس أنها الأقوى في خضم بيئة رخوة مترهلة تشي بتغيرات جذرية، فالنظام المصري العجوز تنهشه الإضرابات، والسلطة تحولت لكيان أمني منبوذ يغرق رجاله في الصراعات على تفاصيل النفوذ ووراثة تركة عباس الثقيلة، و(إسرائيل) كيان يشعر بالوهن ويعيش على انتصارات الماضي، فمنذ انطلاقة انتفاضة الأقصى والمشروع الصهيوني في انحسار وتقوقع، مع فراغ قيادي حقيقي وصدمة في صفوف جمهوره بمدى هشاشة جيشه الذي تكشف حجمه الحقيقي في العصف المأكول.
حركة حماس وحدها في المنطقة صاحبة الجماهيرية الممتدة والاستقرار المتين والجيش المنظم والمؤسسات المتكاملة والقيادة الواعية المنسجمة، حتى آفاقها الإقليمية وارتباطاتها الدولية تتقوى يوما بعد يوم، فقد خرجت من موجة الربيع العربي والتحولات العاصفة بأقل الأضرار، واختارت خطواتها بحكمة، فلم تتورط بالملفات الأشد تعقيدا، ولم تنجر لمستنقع الأزمة المصرية وابتعدت رويدا رويدا عن تشابكات الشحن الطائفي ودوامة القتل في سوريا.
لهذا يحاول خصومها، بتنسيق كامل بينهما ومع توزيع أدوار مدروس وواع، بعرقلة مشاريع الحياة والضغط على مصالح سكان قطاع غزة، بمصاحبة موجات اعلامية مركزة تهدف لتحوير المشهد، وهز الروح المعنوية، وخلخلة الثقة بالنفس، والإيهام بأن حماس هي الحلقة الأضعف والأسهل، مما يتطلب منها مزيدا من التراجع. والمتابع الحصيف يدرك عكس ذلك تماما. فهي أقوى عناصر المعادلة وأقدرهم على الاستمرار والثبات، وربما هذا الإحكام الخانق والإصرار الغريب على قطع الأنفاس جاء بسبب استشعار خصومها لمدى قوتها وقدرتها على فرض واقع جديد في طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، ولما يحمل مشروعها الواعد من طموح مُقْنع للفلسطينيين.
عامل الزمن لاعب مهم لصالح حماس؛ ولهذا أنصحها بعدم التعجل والتراجع، فأي خطوة للخلف يجب أن تحسب جيدا، ولا تكون لإرضاء أحد وإنما للاستعداد للتقدم، فلن تقبل منها بوادر حسن النية، وستفهم خطواتها كضعف وتنازل مما سيزيد شراهتهم لمواصلة الابتزاز حتى الإقصاء الكامل وإخراجها من المشهد.
خيارات حماس عديدة وما تمتلك من أوراق يؤهلها لتسديد اللكمات إن امتلكت الجرأة وعرفت مواطن ضعف خصومها واتسمت بقليل من المرونة السياسية، فالرئيس أبو مازن بمكره العجوز يحاول ضرب عصفورين بحجر إنهاك حماس وإطالة فرصته بالبقاء كسياسي مرغوب به دوليا وإقليميا، وفي حال غيرت حماس طريقة تعاملها معه سياسيا واستثمرت بشكل جيد مساحات الضعف الذي خلفها بعنجهيته وسوء ادارته وفساد معاونيه ومقربيه بالتأكيد ستصل لمعادلة وطنية مع كوادر وطنيين ملوا الانحراف الحاد والتهاوي المريع الذي أوصلنا إليه الرئيس عباس.
الورقة الأقوى لدى حركة حماس ما تمتلكه من قاعدة شبابية وعناصر بشرية قادرة على التحمل والصبر، وعليها الاعتماد والاتكال عليهم وفق سياسات تعاونية وتكافلية وأساليب وتحريضية واستنفارية، فالرئيس عباس أحسن لحماس ومشروعها المقاوم من حيث أراد المضرة والإساءة، فعبأ قواعدها عليه بعدما كان في يوم من الأيام أملهم في المصالحة وتحسين الحال.