اعتبر المفكر الفرنسي آلان غريش أن التأثير الأكبر للحرب العالمية الأولى هو مأساة فلسطين.
وقال غريش رئيس التحرير السابق لدورية "ليموند ديبلوماتيك"، ومدير التحرير الحالي لإحدى أشهر الدوريات السياسية في العالم، خلال حوارٍ مع صحيفة "الرأي اليوم" إن وعد بلفور الذي تم في أثناء الحرب العالمية الأولى، كان سببًا في مأساة فلسطين منذ 1917 وحتى الآن.
وأضاف المفكر الفرنسي: "لابد من حل جذري عادل للقضية الفلسطينية، فلم يعد من المعقول أن تبقى هذه القضية بلا حل لمدة تقترب من 70 عاما، وهو الأمر الذي يؤجج الحروب والصراعات في العالم".
وفي السياق تابع غريش: "بالإضافة لذلك فإن الفكرة الخطيرة التي بدأت إبّان الحرب العالمية الأولى، وازدادت خطورة الآن، هي فكرة تقسيم الدول على أساس طائفي"، مشيرًا إلى أن الحرب العالمية الأولى ليست هي السبب الوحيد فيما يشهده الشرق الأوسط من صراعات وحروب "لأن هذه المنطقة بها مشاكل داخلية كبيرة، أولا وكانت هدفا دائما للاستعمار –ولا تزال– نظرا لموقعها الاستراتيجي المهم، وربطها بين افريقيا وآسيا وأوروبا، فضلا عن وجود البترول الذي كان سببا رئيسيا للتدخلات الخارجية المستمرة منذ القديم وحتى وقتنا هذا".
ويرى غريش أن السبب الرئيسي في اشتعال الحرب العالمية الأولى كان التنافس بين الامبراطوريات الاستعمارية التي سيطرت على مساحات شاسعة من العالم، وارتبطت بمستعمراتها بشبكة مصالح ما كان لها أن تتنازل عنها.
وحول سؤاله عمّا إذا كان الشرق الأوسط يشهد اتفاق سايكس بيكو جديدة، قال: "لا أرى أن الشرق الأوسط يشهد (سايكس بيكو) جديدة، لأن الهيمنة العسكرية السياسية من القوى العالمية على دول الشرق الاوسط غير موجودة الآن، والاستعمار "الكولونيات القديمة" (الاستعمار القائم على التجارة) انتهى إلى الأبد، بعكس فترة الحرب العالمية الأولى".
وعن خطر تقسيم الدول على أساس طائفي، بيّن أن "الخطر موجود، ليس الآن فقط، إنما منذ 2003 عندما عملت الولايات المتحدة على تقسيم العراق على أساس طائفي "شيعة، سنة، أكراد" وكانت قناعة أمريكا أن الانتخابات في العراق لا بد أن تفرز قوى طائفية، للحفاظ على لعبة التوازن بين القوى الطائفية الموجودة".
وأجاب باختصار على سؤاله عما إن كانت فكرة التقسيم الطائفي للدول التي تبنتها أمريكا ستنتصر، قائلاً: "لن تنتصر على الأقل في المستقبل".
وأضاف: "الشعوب العربية لا تزال تملك الهوية الوطنية الحقيقية، نعم هناك تيارات قوية تستخدم هذا السلاح الطائفي المميت مثل أمريكا والسعودية وإيران، إلا أن فكرة تقسيم العالم العربي على أساس طائفي لن تنتصر، فضلا عن أن هذا التقسيم، قد يجرّ المنطقة الى حروب أهلية لعشرات السنين".
ولا يتوقع غريش اندلاع حربٍ عالمية ثالثة، قائلاً: "رغم أن المنافسة بين أمريكا وروسيا قائمة في عدد من المناطق "سورية وأوكرانيا" مثلا، لكن لا يوجد توازن قوى، فأمريكا أقوى كثيرا من روسيا".
واختتم حديثه بالقول: "بصراحة منطقة الشرق الأوسط في وضع خطير جدا الآن، ولابد من الاقتناع بحتمية الحلول السياسية لأي أزمة، ولا نلجأ للحل العسكري إلا في أضيق الحدود، لأن الحلول العسكرية تجلب من الكوارث أكثر مما تقدّم من حلول، إضافة إلى أن إشاعة الديمقراطية والحرية في الشعوب أمر مهم للغاية يجنّبنا كثيرا من الويلات التي تصطلي بها المنطقة".