الآن غريش: علام يطلق اسم فلسطين؟

 آلان غريش
آلان غريش

وكالات – الرسالة نت

المؤلف هو آلان غريش صحفي وكاتب معروف في الأوساط اليسارية الفرنسية والأوروبية. رأس تحرير نشرة “لوموند دبلوماتيك” الشهرية، ثم منصب نائب المدير. إضافة إلى تولّيه منصب الأمين العام لجمعية الصحافيين الفرنسيين المتخصصين بالمغرب العربي والشرق الأوسط. له العديد من المؤلفات عن الصراع على فلسطين وفيها، وكذلك عن الإسلام، إضافةً إلى مقالات كثيرة عن المواضيع ذاتها.

وتحتل فلسطين لدى الكاتب، موقعًا متميزًا في نشاطه وكتاباته، ويعود بعض هذا الحنين إلى الانتماء الأصلي لغريش، وهو الذي ولد في مصر وعايش تطور القضية الفلسطينية والمواقف الغربية منها، وبعد كتبه «منظمة التحرير الفلسطينية، الكفاح من الداخل» و«التقسيم المجهض»، و«إسرائيل – فلسطين: حقائق حول نزاع»، يكمل غريش التزامه بفلسطين من خلال كتابه الجديد: «علام يطلق اسم فلسطين؟»، بحيث يعود فيه إلى استحضار المراحل التي قطعتها رحلة التآمر على الشعب الفلسطيني، والتي انتهت بقيام دولة إسرائيل، ويولي غريش في كتابه هذا حيزًا لتأريخ متجدد لمسار القضية الفلسطينية وضياع الأرض، مشددًا على الدور الاستعماري لبريطانيا في هذا الضياع، مستعيدًا الترسانة الأيديولوجية للحركة الصهيونية التي ركزت على أنّ فلسطين هي أرض الميعاد التي وعد الله بني إسرائيل بها، وما تبع ذلك من عمليات استيطان بدأت منذ وعد بلفور الذي حسمت فيه بريطانيا بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين.

والكتاب، بما يحويه من تفاصيل معروفة للقراء العرب، المتخصصين وغير المتخصصين، موجه للقارئ الغربي أكثر منه للعربي؛ إذ إنه يعرض جرائم الاستعمار في إطار كوني؛ حيث ينطوي الكتاب على مجموعة من الأسئلة التي تتخلل، وتحاذي فلسطين، لا بوصفها مساحة من الأرض المتنازع عليها، ولا بوصفها حقيقة تاريخية لمعاناة شعب هُجّر من أرضه، إنما هو اهتمام بالمقام الأول باكتناه حضور فلسطين، ولكن من منظور تاريخي، ينشغل بالسّياقات التي تتموضع فيها فلسطين، وتصوغها في الآن ذاته. وهو يطرح سؤاله بأكثر من صيغة قائلًا: علام يطلق فلسطين إذن؟ أهو الاسم الذي يطلق على مشاعر معاداة السامية التي ما فتئت تتجدد وقد صادفت أرضًا خصبة ترفع فيها وتنعتق؟ أم أنه الاسم الذي يدل على فكرة كراهية الغرب التي ما فتئ العالم الإسلامي يغذيها؟ أم الاسم الذي بات يطلق على نظام استعماري آخذ في الأفول؟ أم على العلاقات بين الشمال والجنوب؟ أم تمثيلًا لمبدأ صدام الحضارات؟ أم تُراها، على العكس، ستصبح موئلًا لتخطي تلك الرؤية ولاختراع حلول تتبني مبدأ المواطنة، ولا تقوم على القوميات العدائية، بل تنشأ على الحق والعدالة؟ هل ستساعد على ميلاد نظام عالمي لا ينحصر في كونه غربيًا؟ هذه الأسئلة وغيرها هي حوافز الكاتب على مدار الكتاب.

يبدأ آلان كتابَه بمقدمة خاصة بالطبعة العربية بعنوان دالّ: “هل سقطت فلسطين من حساب الثورات العربية؟“، فمع انطلاق التظاهرات الأولى في تونس، عمّت أرجاء الوطن العربي كافّة صدمة عارمة؛ وهي تماثل في عمقها الصدمتين اللتين عرفتهما عقب نكبتي العام (1948) و(1967)، ولكن، في حين ركزت هاتان الصدمتان على فلسطين ومستقبلها؛ فإن الصدمة الحالية قد تمحورت حول مشكلات داخلية، بل إن بعض المحلّلين الغربيّين يؤكد أنّ تلك الثّورات غير مهتمّةٍ بالنّزاع مع إسرائيل، وغير آبهةٍ بفلسطين، وأنّ برنامجها لا يُعنى إلّا بالسّياسة الدّاخلية، وأنّها ليست مناهضةً لأميركا وللغرب. فما مدى صحّة ذلك؟ يرى آلان غريش أن هذه تحليلات خاطئة، وهو يعلن إيمانه بأن القضية الفلسطينية ستــعود لتأخذ موقعها في العالم العربي، لكون المـشــروع الصـــهيوني يشكل التناقض الرئيس مع الشعوب العربية ومصالحها، وإذا كان الغياب واضحًا اليوم من اهتمامات الانتفاضات، فإن المستقبل الآتي سيعيد الاعتبار إلى هذه القضية، من خلال النزاع المتواصل مع إسرائيل، ومن خلال التناقض مع المصالح الغربية، خصوصًا أنّ منطق عدم إعطاء حقوق للفلسطينيين في دولة مستقلة ما يزال سائدًا، وهو العنصر الذي سيعود ليحقن المــنطقة العربية بصراعات مع هذا المشروع الصهيوني.

ولتوضيح رؤيته، يعود آلان غريش قليلًا إلى تاريخ العلاقات التي ربطت القضيّة الفلسطينيّة بالعالم العربي. فيبسط تحليله التاريخي للمراحل الكبرى التي قطعتها القضية الفلسطينية في محيطها العربي وما أنتجه ذلك من تحول لطبيعة القضية بين انحصارها في الأفق الفلسطيني أو انفتاحها على الفضاء العربي؛ منذ نشوب الحرب العالميّة الأولى، واحتلال القوّات البريطانيّة للقدس، وصدور إعلان بلفور؛ حيث بدا مستقبل فلسطين مهدّدًا، مما أقلق النّخب العربيّة في فلسطين، فقصدوا فيصل الأوّل؛ لكنّ دخول القوّات الفرنسيّة دمشق، وهروب فيصل، حملا الفلسطينيّين على صرف النّظر عن مشروع “سورية الكبرى“.

 

وقد ساهم إقرار الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1922، وترسيم الحدود؛ في حصر الحركة الفلسطينيّة داخل تلك الحدود، وتقييدها بأهداف “محلّية“، وهكذا طوّرت الحركة الفلسطينيّة مقاومتها ضمن هذا السياق، ولم تلتمس من البلدان العربيّة والإسلاميّة إلّا دعمًا خارجيًّا. غير أنّ الإضراب الكبير في فلسطين عام 1936، وتدخل حلفاء بريطانيا العرب لتعليق الإضراب، والذي اندلع بعده انتفاضةٌ لم تُخمدْ إلّا في عام 1939؛ بعد أن حصدتْ آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين، هذا إضافةً إلى أنّها تسبّبت في انقساماتٍ داخليّةٍ شقّت صفوف الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، ساهم في إعادة القضيّة الفلسطينيّة قضيّةً عربيّةً، وفي غضون عشرة أعوام، شهدت المنطقة سقوط النّظام القديم، فقد أدّى صعود القوميّة العربيّة إلى زعزعة الأنظمة المتحالفة مع الغرب، وخلال تلك الفترة تبلور المشروع القومي العربي بقيادته الناصرية، وشكلت القضية الفلسطينية العنوان الأساس الذي استظلت به التغيرات في المنطقة، وبات شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة“؛ أي معركة تحرير فلسطين وإنهاء الكيان الصهيوني، هو الشعار المركزي، وصار شعار الفلسطينيّين هو: “تحرير فلسطين يمرّ بالوحدة العربية“، وعلى الرّغم من ذلك؛ بقيت فلسطين أداةً في أيدي الحكّام العرب، وورقةَ مساومةٍ في صراعهم من أجل الهيمنة. وأدّى هذا التّنافس، ولا سيّما بين عبد النّاصر وقاسم، إلى إطلاق الدّيناميّة المُفضية إلى إنشاء منظّمة التّحرير الفلسطينيّة، والتي تبنت الميثاق القومي الفلسطيني، الذي يؤكّد في مادّته الأولى عند تعريفه بفلسطين؛ على أنّها “جزءٌ لا يتجزّأ من الوطن العربي الكبير، والشّعب الفلسطيني جزءٌ من الأمّة العربيّة“.

وفي الوقت الذي اعتنقت فيه أغلبيّة الفلسطينيّين تلك الرّؤية؛ بدأت مجموعةٌ صغيرةٌ -عُرفتْ بحركة فتح، في نهاية عام 1959 – في تعميم وجهة نظرٍ مغايرةٍ؛ فقد رأت أنّ تحرير فلسطين هو مسألةٌ فلسطينيّةٌ بالأساس، ولا يمكن أن يُعهد بها إلى الدّول العربيّة، وقد ساهمت حرب عام 1967، والهزيمة النّكراء التي مُنيت بها مصر وسورية والأردنّ، في توجيه ضربةٍ قويّة للقوميّة العربيّة الثّوريّة، والتسبّب بموجةٍ ثانيةٍ من التّغيرات في العالم العربي. وفي المعسكر الفلسطيني، تعزّزت مواقف أولئك الذين راهنوا على استقلاليّة الشّعب الفلسطيني وعلى سيادته في اتّخاذ قراره، إلى أن غدت المنظمة، مع مؤتمر الرباط (1974) هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وقضيته.

يقدم المؤلف هذا العرض التاريخي كله قبل الدخول في فصول الكتاب. أما الفصل الأول من الكتاب، فيشكل المقدمة النظرية الأساسية للكتاب؛ فهو يشرح الخلفيات النظرية للاستعمار وتعالي الغرب على بقية البشر، وهو يبرز بوضوح كيف سوغ الأوروبيون والأميركيون لأنفسهم نهب الشعوب وتدمير الثقافات بذريعة تحريرها من التخلف واعتبار ذلك “فريضة واجبة“، أو ما عبر عنه المؤلف بجملة قصيرة معبرة تمامًا عن ذلك الفكر هي: “الحق في الاستعمار“، يؤكد غريش بأنه ليس في الإمكان فهم الموقفين الأوروبي والأميركي من إقامة دولة إسرائيل من دون الرجوع إلى تصوّر للعالم ظل ماثلًا بكثافة طوال فترة من القرن العشرين، عدّ فيه سكان الأراضي المستعمرة الأصليون كمًا مهملًا، من دون ثقافة أو تاريخ، في حين أن أوروبا وحدها هي من تحمل مشعل “الحضارة“، وهو مصطلح استخدم للتغطية على الكثير من الحوادث، ولتبرير كثير من الجرائم.

وفي فلسطين، كان الأمر يتعلق بـ “بعثة مقدسة من أجل الحضارة“. ولكن خلافًا لحالات استعمارية أخرى، لم يكن الفلسطينيون مجبرين على البقاء في “قاعة انتظار” التاريخ فحسب، بل محكوم عليهم بالطرد نهائيًا من التاريخ.

وتحت عنوان: (حين نرافق حركة صعود المستعمرين إلى أرض الميعاد)، يسلط المؤلف في الفصل الثاني الإضاءة على الفكر الاستعماري الإقصائي في القرن التاسع عشر، والذي نتجت عنه الحركة الصهيونية، فيستعرض الحركات والوجهات لاستعمار فلسطين كونها (أرض الكتاب المقدس)، ويذكر معلومات مهمة مأخوذة من مصادرها التاريخية الأصلية، فيما يتعلّق باعتماد التأويلات الدينية، ذات الطابع والجوهر العنصري، والتي انتهت إلى تكريس فكرة الدولة اليهودية بكل ما تحمله من أبعاد عنصرية وتيوقراطية.

في الفصل الثالث، يحاول المؤلف رصد انتقال اليهودية من وضع “الغيتو” إلى وضع الدولة التي لا تقهر، وكيف صارت الضحية هي الجاني، وأهم ما في هذا الفصل هو تحليل التطور والتحول في “الشخصية اليهودية“، التطور الذي جاء مع القراءات الجديدة التي اضطلع بها هرتزل وسائر المثقفين اليهود الصهاينة في ما يتعلق بتعديل الشخصية اليهودية والتحول إلى “اليهودي الجديد“، والذي هو قوي ونشيط وعقلاني ومجتهد ومنتج وعصري.

هذه اليهودية “القوية العضلات” (على حد تعبير غريش)، تتعارض مع صورة اليهودي المنفي، كما يصفه مناهضو السامية وغيرهم، والتي يبدو فيها سلبيًا ومنحطًا وغير عقلاني وضعيفًا وغارقًا في الخرافات ومتمسكًا بعقائد جوفاء وبكتابات تفتقر إلى المعنى. سيصبح هذا اليهودي الذي “انبعث مجددًا” بفعل الاستعمار في فلسطين، أوروبيًا؛ فوفقًا لجدلية عجيبة سيجد ذلك الشخص الذي رفضه مناهضو السامية لأنه “غير أوروبي“، نفسَه في الشرق بمنزلة المدافع عن الحضارة وعن المثل التي كان يُعد، إلى وقت غير بعيد، النموذج المضاد لها! أما القضية الثانية المهمة التي يتعرض لها هذا الفصل، فهي الإبادة النازية لليهود ودورها في دفع الصهيونية على الصعيدين: اليهودي، والغربي، حيث رفض معظم اليهود الصهيونية -قبل الحرب العالمية الثانية- وأنكروها، وكان الرفض إما باسم الدين؛ إذ لا يصح أن تقوم دولة يهودية قبل عودة المسيح المنتظر وفقًا للأغلبية العظمى من الحاخامات، أو رغبةً في الاندماج في داخل المجتمعات الغربية، وإما تمسكًا بالنموذج الأممي، اشتراكيًا أو شيوعيًا.

غير أن الإبادة النازية أدت بكثير ممن بقوا في قيد الحياة منهم إلى التساؤل عن إمكان البقاء في أوروبا التي لم تستطع حمايتهم. أما على الصعيد الغربي، فقد شرعت الإبادة في اتخاذ مكانة مركزية في الذاكرة الغربية، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ منها، حيث تم استخدام الإبادة -كما هو معلوم- كحجة لتبرير السياسة الإسرائيلية في فلسطين، وصار احتلال فلسطين سبيلًا  للتكفير عن “الخطيئة” الأوروبية، “المحرقة“.

ويشير المؤلف إلى الكيفية التي استغلت بها الصهيونية الإبادة النازية، حيث عملت على “استيراد” موضوع الإبادة إلى النزاع مع العرب، محاولة تكريس تطابق العرب والنازيين.

ويرى أن هذا التشابه بقي رائجًا فيما بعد. فمهما يكن العدو، جمال عبد الناصر، أو ياسر عرفات، أو صدام حسين، أو أحمدي نجاد، فسيتم تشبيههم جميعًا بهتلر وبرغبته في إبادة اليهود. وختم المؤلف الفصل بموافقة ادوارد سعيد حين كان على الفلسطينيين أن يتحملوا التكفير عن ذنب لم يقترفوه.

أما الفصل الرابع (حين نحتفي بانقلاب العالم)، فيحاول فيه المؤلف استشراف حضور فلسطين في ارتدادات الحدث بعد قرون من التبعية والاستعمار، خاصة بعد تراجع الهيمنة الغربية وولادة أقطاب ومراكز قوى متعددة في العالم، كنيودلهي، وبيكين، وبرازيليا.

 ويرى المؤلف بان تجاوز المركزية الغربية ينطبق، أو يجد صداه في سرديات الإعلام، وهو ما يخصص لبحثه الجزء الأهم من الفصل، فيضرب له مثالًا بانتقال مركز الثقل من محطة (CNN) الأميركية إلى (الجزيرة)؛ فطوال قرنين من الزمن، احتكر الشمال الكلمة الإعلامية و(العلمية)؛ إذ لم يكن الشمال يتناول وحده من دون غيره ما يجري في داخل حدوده فحسب، وإنما كان هو من يتكلم نيابة عن “الآخرين” الذين كانوا “موضوع” الحديث.

 

كان الشمال يحلّل شعوب العالم المستعمر، فيصنّفهم عناصر وأعراقًا وقبائل، وكان يحكي تاريخهم من وجهة نظره السردية الخاصة، ويصف حروبهم ومجاعاتهم، ويصدر الأحكام على ثقافاتهم أو دياناتهم. وكان الاستشراق الوجه العلمي لتلك السيطرة، وهو ما بيّنه إدوارد سعيد بمهارة فائقة. ولم يؤدّ انهيار النظام الاستعماري إلى تعديل تلك الحقيقة، وخصوصًا أن النظام الإعلامي، الخاضع لهيمنة وكالات الصحافة الغربية الكبرى، عمد إلى توجيه تدفق المعلومات من الشمال إلى الجنوب.

فالشمال يحدّد تدرّج الأخبار عبر منظار غالبًا ما تنحصر صورة الجنوب فيه، في أخبار الكوارث، هذا هو السياق الذي شهد ميلاد قناة (الجزيرة) في قطر عامَ 1996، والتي لقي إنشاؤها ترحيبًا أمريكيًا بوصفها خطوة نحو الديمقراطية في العالَم العربي، لكن هذا الترحاب كان قصير الأجل؛ إذ طرأت العثرة الأولى عند اندلاع الانتفاضة الثانية؛ حيث بثّت (الجزيرة) صور القمع الرهيب الذي انتهجه الجيش الإسرائيلي، وكشفت تفصيلات السياسة الاستعمارية المتواصلة بلا هوادة التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، أكانت حكومات حزب العمل أم حكومات أحزاب اليمين، فبدى جليًا أن “إطار التحليل” يختلف تمامًا.

فإذا كانت الـ (CNN) تعدّ أعمال العنف الفلسطينية إرهابًا، ترى (الجزيرة) فيها تعبيرًا عن مقاومة شعب رازح تحت الاحتلال؛ وفي حين تنظر وسائل الإعلام الأميركية إلى إسرائيل كونها دولة ديمقراطية، وهي بهذه الصفة تستحق التضامن، فبالنسبة إلى قناة (الجزيرة)، يواكب هذا الطابع الديمقراطي سياسة استعمارية تحاكي إرهاب الدولة. وإذا كانت شرعية “الدولة اليهودية” أمرًا لا جدال فيه لدى قناة (CNN)، فإن قناة “الجزيرة” ترى أن قرار التقسيم عامَ 1947 كان قرارًا جائرًا لا يزال الفلسطينيون يكابدون نتائجه المدمرة.

وفي الفصل الخامس، ينهي غريش قراءته لتموضع فلسطين تاريخيًا، بالتعريج على أحلام السلام، فيطرح فرص السلام من عدة وجهات نظر؛ معتبرًا أن الحل الوحيد الذي كان يبدو واقعيًا حتّى وقت غير بعيد، وهو حل الدولتين المتجاورتين، بات يبتعد بالوتيرة عينها التي تنتشر فيها المستعمرات في الضفة الغربية وفي القدس. وفي ظل عدم إمكانية أن يقوم طرف بفرض الحل على الطرف الآخر؛ يرى غريش أن الحل يقتضي نضالًا مشتركًا من أجل مشروع مشترك، وهنا يقدم غريش الحل الذي يراه الأكثر منطقية؛ وهو الدولة الموحدة على نسق جنوب إفريقيا، معتبرًا إياه الحل الوحيد المتاح لإنهاء الصراع. وهكذا يقدم المؤلف الإجابة المثالية على تساؤله الأول، فتكون فلسطين -إن تم هذا الحل- اسمًا يطلق على تبني مبدأ المواطنة، وتجاوز القوميات العدائية.