مقال: أحجية الانتفاضة الثالثة

حلمي الأسمر

هل هي انتفاضة، أم موجة "إضرابات"، أم هبة عابرة؟ سؤال شغل محللين وكتاباً عديدين، في توصيف الحالة التي تعيشها فلسطين المحتلة. السؤال ليس للتوصيف لغايات التوصيف فقط، بل هو متعلق بسؤال: ماذا بعد؟ وربما، أيضاً، بماذا يريد المنتفضون؟ ولماذا انتفضوا؟

ليس لإسرائيل أساليب سحرية للسيطرة على الحالة التي بدا وكأنها حرب بمعنى الكلمة. ثمة استنساخ مجدد لسياسة هدم البيوت، نشر مزيد من قوات الأمن، تشديد القبضة العسكرية، المزيد من العقاب الجماعي، وتغليظ العقوبات على راشقي الحجارة، والتوسع في الاعتقالات، وهذه كلها "إجراءات" ثبت عدم نجاعتها في السيطرة على الوضع المتفجر. ثمة أصوات في اليمين الصهيوني تنادي بما هو أكثر: سحق حكم حماس في غزة، إعادة محرري صفقة شاليط، بناء مزيد من المستوطنات، وذلك كله إمعاناً في قهر الفلسطينيين الذين تجرأوا على مقاومة إذلال الاحتلال.

في أحجية التسمية ودلالتها، هناك ثلاثة آراء لمعلقين في الصحافة العبرية، يجمعون على أن ما يجري انتفاضة ثالثة، "كاملة "الدسم".

في "يديعوت أحرونوت" (4/ 10 /2015)، كتب يوسي يهوشع، بمنتهى الوضوح: ينبغي الاعتراف بحقيقة أن الانتفاضة باتت هنا، حتى وإن لم تكن موجهة ومدارة بشكل مركزي. عاصمة الإرهاب (!) هذه المرة ليست نابلس ولا جنين، بل القدس. ولهذا، نوصي بملاءمة أساليب العمل، بالضبط مثلما تم بعد "السور الواقي" في 2002 بطريقة "كاسحة العشب" في يهودا والسامرة. ويدور الحديث عن نشاط اجتث من الجذور منظمات الإرهاب في المناطق بنجاح استثنائي، يجري تعلمه في جيوش أجنبية. وينسى يهوشع، هنا، أن ما يسميه الإرهاب لم يكن منظماً، وكل محاولات المس بجنود الاحتلال، من تنظيمات، كانت سياط "التنسيق الأمني" تجلد ظهورها، قبل أن تتحول إلى واقع. ما نشهده اليوم هو انتفاضة من نوع آخر، "ماركة" جديدة غير مسجلة. لنلقِ نظرة على هذا المقطع من الأحداث:

مهند حلبي 19 عاماً. فادي العلون 19 عاماً. حذيفة سليمان 18 عاماً. ثلاثة شهداء لم تتجاوز أعمارهم العشرين، ارتقوا إلى الرفيق الأعلى في أقل من 24 ساعة. هؤلاء ليسوا موظفين، وبالتالي، غير مرتبطين بأجهزة السلطة، وليس لديهم ما يخسرونه، وتتحرك في دمائهم مشاعر غيرة نقية على وطنهم ومقدساته وحرائره، وهم يشكلون الغالبية الساحقة من

المجتمع الفلسطيني، وقد يكونون الوقود الأساسي للانتفاضة الثالثة، لكنهم بحاجة لقيادة موحدة تنسق الفعاليات، وتحولها إلى "مؤسسة" تنظم كل شيء، ابتداء من تحديد مواعيد التجمعات الجماهيرية، وانتهاء بالصرف على المتضرّرين، مروراً بتحديد أجندة المطالب، وفرصة هؤلاء بفرز قيادة غير فصائلية للأسف ضئيلة، وإنْ كانت غير منعدمة، وتتحسّن فرصتها أكثر، إذا ما التقط شباب التنظيمات طرف الخيط، وتمردوا على العجائز حملة بطاقة الـ "في آي بي".

يكتب يوسي ميلمان، في "معاريف" (4/ 10/ 2015)، مستهيناً بالاسم، ذاهباً مباشرة إلى الدلالة: يواصل الخبراء في المخابرات وفي الجيش الإسرائيلي والمحللون في وسائل الإعلام الجدال حول التعريف. كيف نسمي العنف؟ انتفاضة؟ لا انتفاضة؟ إرهاباً شعبيّاً؟ انتفاضة حجارة؟ الحقيقة البشعة أن الاسم ليس مهماً. هذه دلالة. المهم هو الواقع، وليس أقل من ذلك – الاعتراف بهذا الواقع. والواقع أن الضفة الغربية والقدس تشتعلان. وهما تشتعلان منذ أشهر، بل وربما منذ نحو سنة. يسير الفلسطينيون إلى مسار الصدام، وثمّة، منذ الآن، مؤشرات واضحة على الانتفاضة. فقد بدأ هذا برشق الحجارة – متوسط أكثر من مائة في كل شهر، واستمر هذا بمرافقة إلقاء الزجاجات الحارقة، بين 10 و 15 في الشهر.

ويحسم ناحوم برنياع الأمر بشكل أوضح، حين يكتب في مقال افتتاحي في "يديعوت أحرونوت" (4/ 10/ 2015) عنوانه "الانتفاضة الثالثة": هذه انتفاضة، الانتفاضة الثالثة. من المهم أن نسميها باسمها، لأن عدم تسميتها بالاسم يسمح للساحة السياسية والعسكرية بالتملص، بالكبت وبالهرب من المسؤولية. في هذه اللحظة، تشبه في مزاياها الانتفاضة الأولى التي بدأت في ديسمبر/كانون أول 1987، وخبت في أوائل التسعينيات. وفي هذه الأثناء، تجري خلف الخط الأخضر، في شرقي القدس وفي الضفة. وبقدر ما هو الماضي مؤشر للمستقبل، لن يبعد اليوم الذي تنتقل فيه إلى مدن إسرائيل الكبرى، وتتحول من إرهاب سكاكين، حجارة وزجاجات حارقة إلى إرهاب انتحاريين. هذه ليست انتفاضة، يقولون في الجيش. ولكن هذا أيضاً ما قالوه في بداية الانتفاضة الأولى. دحرجت الانتفاضتان السابقتان حكومات إسرائيل نحو خطوات قاسية في المرحلة الأولى، ونحو تنازلاتٍ مهمة في المرحلة الثانية. أدت الانتفاضة الأولى إلى العنف المضاد ("لنحطم لهم الأيدي والأرجل"، اقتبس عن رابين) وبعد ذلك نحو اتفاق أوسلو. أدت الانتفاضة الثانية إلى "السور الواقي"، والاحتلال العملي للضفة، وبعد ذلك إلى فك الارتباط عن غزة.

وفي القراءة النهائية للمشهد، يكتب برنياع: تتجسد الانتفاضة الثالثة، ليس بسبب غياب الأمل السياسي، بل بسبب غياب كل أمل. لا أمل للوصول إلى دولة، وفي واقع الأمر، لم تعد رغبة في الوصول إلى دولة: تبدد الإيمان في السلطة الفلسطينية وبمنافستها، حماس. لا أمل اقتصادياً: الضفة وغزة لا تنتجان شيئاً تقريباً، باستثناء أجهزة مضخمة من متلقي الرواتب على حساب الدول الأجنبية. لا أمل من العالم العربي الذي ينشغل، في هذه اللحظة، بسورية والعراق واليمن، ولا أمل من القوى العظمى الغربية.

على الطرف الفلسطيني، تقرأ توصيفاتٍ شتى لما يحدث، وفق انتماء صاحب الرأي التنظيمي، فما يجري، وفق المقربين من السلطة، مجرد اضطرابات، أو ردود فعل بسبب انسداد أفق الحل السياسي، وهي انتفاضة كاملة، وفق القريبين من حماس، والفصائل المتماهية معها. أما من يقف في المنتصف، فيرى أنها ليست انتفاضة جماهيرية، بل هي انتفاضة "فردية"، غضب شعبي عفوي بسبب المستوطنات والاعتداءات المتكررة على الحرم القدسي، ودفن مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة تحت غبار المستوطنات وأتربتها، وجدران الفصل العنصري، وقائمة طويلة جدا من إجراءات الاحتلال المتوحشة!

وفي المحصلة، ليس مهماً حل "أحجية" الاسم. المهم أن ما يجري ليس ضد الاحتلال فقط، بل ضد السلطة ورئيسها وكل رموزها الذين فشلوا، ليس فقط في تحقيق الحلم الوطني الفلسطيني، بل في التماهي مع الاحتلال، والتحول إلى مجرد ذراع ناعمة بلون محلي له، بكل بشاعته. ولهذا يخشون في رام الله من أن تستمر هذه الموجة من "الانتفاض"، لأنه سيكون أمامهم أحد خيارين: النزول إلى الشارع مع الناس، وبالتالي فقدان بطاقات الـ "في آي بي"، أو قمع الثورة الوليدة جهاراً نهاراً، والعمل يداً بيد مع الاحتلال الصهويني، في محاولة للإجهاز على ما بقي من الحلم الفلسطيني في الاستقلال.

وتبقى كلمة..

كما هي العادة، الرهان الأكبر الآن على مستوى رد الفعل من الاحتلال، كلما زادت وتيرة التوحش والقمع، تدفقت الدماء الحارة في عروق المنتفضين. وحتى الآن، يبدو أن جنون الصهاينة في تصاعد، والتحريض الصادر عن قتلتهم ومجرميهم في قمته. هذا يوفر بالطبع بيئة حاضنة للثورة، هناك دعوات للإثخان في القتل والتوسع في الاعتقالات وهدم البيوت والعقوبات الجماعية، ودفع الفلسطينيين إلى الثورة.

العربي الجديد