لم يتفاجأ جيش الاحتلال (الإسرائيلي) من كثافة عمليات الطعن في الخليل، لكن ذلك لا ينفي أنه كان بالتأكيد متخوفا من التحاق المدينة بانتفاضة القدس، وإن كانت متأخرة.
وبديهي أن يكون المستوطنون فيها على مقربة من نصل السكين، إذا ما علمنا أن الجيوب الاستيطانية تتواجد في قلب المدينة، بخلاف مدن الضفة الأخرى، التي يقل فيه الاحتكاك بفعل الخطوط والحواجز الفاصلة.
ويمكن رصد التخوف (الإسرائيلي) من المشاركة "المتأخرة" للخليل فيما أورده الإعلام العبري خلال الأيام الأخيرة، الذي اعترف بأن "واقعا جديدا يتطور" في مسار انتفاضة القدس، خصوصا بعد كثافة المواجهات وعمليات الطعن في المدينة التي تعتبر من أكبر المحافظات الفلسطينية.
فقد كتب (آفي سيخاروف) معلق الشؤون العربية في موقع "والا" العبري، أن الفلسطيني الذي يقرر طعن مستوطن في الخليل لا يحتاج إلى تجاوز حاجز عسكري أو أن يخضع لتفتيشات مفاجئة، إذ إنه يرى المستوطنين في كل مكان في البلدة القديمة من المدينة.
بينما كشف عاموس هرئيل في مقال له بصحيفة هآرتس أن أحد أوائل الأمور التي يتعلمها كل قائد لواء جديد في الجيش (الإسرائيلي)، والذي يتولى منصبه في هذه المنطقة، بأن ساعة الخليل تعمل متأخرة، "حيث أن المدينة تنتبه للرد على التطورات في المناطق في وقت متأخر، لكنها تقوم بذلك بقوة أشد مقارنةً بمدن أخرى، وهذا ما يحدث في الخليل في الأيام الأخيرة".
ومن المهم الإشارة إلى الواقع الجغرافي اليهودي في الخليل وضواحيها، الذي تعمّدت (إسرائيل) خلقه ليكون عاملا طاردا للفلسطينيين، ودافعا قويا للهجرة، فأنشأت مستوطنة (كريات أربع) عام 1970م، كنواة استيطانية خارج المدينة تمهيداً للتغلغل داخلها نفسها، وفي الوقت نفسه، حرصت على تحقيق "الربط الجغرافي" بين الأحياء اليهودية داخل الخليل وهذه المستوطنة، من خلال حفر الأنفاق وإنشاء الطرق، من أجل الاستيلاء على الممتلكات والأراضي الفلسطينية.
والأكثر خطورة يكمُن في أن المرجعيات الدينية اليهودية التي تقطن في الخليل تعد الأكثر تحريضاً على ممارسة الإرهاب ضد الفلسطينيين، وفق المعلق (الإسرائيلي) (أمنون أبراموفيتش)، الذي قال إن الحاخام الأكبر لمستوطنة كريات أربع (دوف ليئور) كان قد دافع بحماسة عن (باروخ غولدشتاين) الإرهابي اليهودي الذي نفذ المجزرة في المسجد الإبراهيمي في فبراير/شباط عام 1994، والتي تم على إثرها إقرار تواجد دولي مؤقت، لإعمال المراقبة والمتابعة.
وتسيطر (إسرائيل) على حوالي 20% من مساحة المدينة بحسب اتفاق إعادة الانتشار في الخليل، لكن السلطة الفلسطينية تتحمل إدارة الشؤون المدنية فيها.
وبحكم أن الخليل ذات أهمية دينية، فإن المعلق العسكري (رون بن يشاي) اعتبر أهالي المدينة الأكثر تدينا من بين الفلسطينيين في الضفة المحتلة، وهو ما أسهم باعتقاده، في توفير البيئة لجعل الخليل المدينة التي تتبوأ مكان الصدارة، من حيث العمليات.
وتوصف الخليل بأنها (مدينة حماس) في الضفة، على ضوء التأييد الكبير للحركة في صفوف سكانها، وهو الأمر الذي حدا بإسرائيل ومعها السلطة الفلسطينية، إلى تشديد إجراءاتهما الأمنية فيها، من خلال منع أي فرص لنهوض حماس فيها أو إعادة ترميم بناها التحتية.
ويمكن تفسير اللقاء الذي جرى بين مسؤولين إسرائيليين ومخاتير ووجهاء فلسطينيين في الخليل -تناقل صوره ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي-بأنه يندرج ضمن محاولات (إسرائيل) والسلطة استيعاب عوائل الخليل، وإقناعها بأن إجراءاتها الأمنية هي بذريعة منع الفوضى.
ورغم ذلك فإن التقديرات (الإسرائيلية) تشير إلى صعوبة إخماد مقاومة الخليل دون استئصال الأسباب المحرضة على ذلك إسرائيليا، والمتمثلة في التهويد والاستيطان.