سطّرت عوائل بعض قادة حركة حماس في قطاع غزة أروع نماذج التراحم والترابط الاجتماعي، بالعفو عمن تسبب لها بأذى أهدرت على إثره أرواح أبنائها.
وشهد الأسبوع الماضي إصدار عفوين من عائلتي قائدين بحركة حماس، هما النائب في المجلس التشريعي يونس الأسطل، ونائب القائد العام لكتائب القسام، أحمد الجعبري.
وللمرة الثانية، عفا النائب الأسطل عن سائق دهس نجله أنس (18 عاما)، الذي أعلن عن وفاته السبت الماضي، بعد فشل محاولات تحويله للعلاج في الداخل المحتل.
وبالتزامن، عفت عائلة القائد الجعبري عن السائق الذي تسبب بوفاة نجلها مالك، أحد أفراد وحدة النخبة في كتائب القسام، نهاية شهر ديسمبر الماضي.
وأثار "عفو القادة وعوائلهم" ثناء شريحة واسعة من الفلسطينيين، الذين اعتبروا ما جرى يندرج ضمن فضيلة "الدعوة بالقدوة"، بالتجاوز عن مظالمهم عند الناس.
فالنائب الأسطل كان قد عفا عن قاتل طفله البكر (محمد) في حادث سير قبل انتفاضة الأقصى، وهو الطفل الأول له الذي جاء بعد وفاة 5 أشقاء أطفال !
والأسطل هو أحد أعلام حماس والإخوان المسلمين في فلسطين، وعضو المجلس التشريعي عن قائمة "التغيير والإصلاح" التابعة للحركة.
ولم يبدو النائب جازعا عند وداع ابنه (أنس)، وأظهر أثناء تلقيه التعازي بنجله تماسكا وصبرا فريدا، كان محط إعجاب كثيرين.
زاد هذا الإعجاب بعد أول تعليق له على وفاة نجله أنس، في كلمة مصورة، حين أجزل الشكر لله، وقال: "الحمد لله الذي متعنا به 18 عاما، وقبض روحه".
ويروي والد أحد الشهداء في غزة، أنه حين رفع سماعة الهاتف معزيا النائب الأسطل بوفاة نجله، بادره الأخير قائلا: لقد شاهدتك صابرا يوم استشهاد ابنك، ولن تكون أكثر مني صبرا واحتسابا لوجه الله.
ويواظب الأسطل منذ إصدار صحيفة الرسالة عام 1996م، على كتابة مقالات في السياسة الشرعية بالصحيفة في باب ثابت تحت عنوان "في رحاب آية".
حتى إن الشيخ لم يمنعه ظرف إصابة نجله أنس الحرجة التي أدخلته العناية المكثفة بالمستشفى-قبل إعلان وفاته- عن كتابة المقال الدوري له بالصحيفة !
رباطة الجأش هذه ظهرت أيضا في بيت الشهيد القائد أحمد الجعبري، الذي شهد عفو العائلة عن قاتل ابنها "الفارس" مالك.
وبدا أشقاء الشهيد، أثناء عقد الصلح العشائري بين عائلتي الجعبري والغول، متسامحين ومتسلحين بأخلاق والدهم القائد.
وجرى الصلح برعاية نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، ولفيف من قادة الفصائل ورجال الإصلاح والوجهاء، وحشد من العائلتين.
هذا العفو كان نتاج تأصيل داخل الحركة بتقديم العفو والصفح باعتباره أحسن المكارم، وهو ما دعا إليه ميثاق حماس، بدعوة عناصرها إلى التكافل الاجتماعي والتراحم، وأن يشاركوا الناس أفراحهم وأتراحهم.
وعلى الجانب الآخر كان "عفو القادة" رسالة تأكيد بأن حماس حركة لا تخفي وجهها وراء قناع من المساحيق، وأنها حركة جماهيرية تستمد من الشعب قوتها وشرعيتها.