مع انتهاء أعمال المؤتمر السابع لحركة فتح، ومع ظهور نتائج انتخابات أعضاء اللجنة المركزية الجدد، تسابقت وسائل الإعلام في إبراز امتيازات ومخصصات وسفريات وسيارات ومرافقي ومكاتب أعضاء اللجنة المركزية، وحظيت هذه الامتيازات باهتمام كبير قل نظيره في مؤتمرات سابقة، وتحولت وسائل الإعلام من الحديث عن مسؤوليات أعضاء اللجنة وواجباتهم، إلى الحديث عن مكاسبهم وامتيازاتهم، في الوقت الذي كان يَنتظر فيه المراقبون أن يكون جُلّ اهتمامها ومعظم تركيزها على طبيعة المهمات التي ستقع على عاتق الاعضاء الجدد، وعن عِظم المسؤولية التنظيمية والوطنية التي سيتحملونها، وحجم التضحية التي سيقدمونها نتيجة تبوئهم لهذا الموقع، ومقدار المخاطر التي سيتعرضون لها، والدور الذي سيناط بهم على مستوى التنظيم والقضية والوطن، واستذكار الأدوار التي قام بها من سبقهم من الأعضاء في سنوات الثورة المزهرة، والتكاليف التي تكبدوها أثناء قيامهم بمهامهم، والتي وصلت بكثير منهم حد التضحية بحياته ثمناً لدفاعه عن حقوق شعبه وموقفه الوطني والثوري، ولا ننسى أن أكثر أعضاء اللجنة المركزية اغتيلوا سابقاً بسبب عضويتهم فيها وممارستهم لمهامهم التنظيمية، ومن نجى من الاغتيال منهم عاش مطارداً متنقلاً من مكان إلى آخر، وعانى من قلة الهدوء وعدم الاستقرار.
لذا فإنه من المؤسف أن يأخذ الحديث عن تلك الامتيازات والهبات والعطايا والسيارات والمرافقين والمكاتب هذا الكمّ من التركيز وهذا الحجم من الاهتمام، فالمسؤولية التنظيمية هي في الأساس مسؤولية وطنية، وليست منصباً وظيفياً أو دوراً مهنياً، ولم تكن يوماً طريقاً لجلب الأموال والحصول على الامتيازات، وسبباً للمزاحمة على الثروة والغنى، أو التخفي وراء الزجاج الأسود للسيارات الفارهة، أو سبباً للتعالي على المواطن والعيش في بروج عاجية بعيداً عنه وعن معاناته، أو مبرراً للتناحر من أجل الوصول للمنصب والحصول على اللقب، فهذه المواقع ليست أكثر من تكليفٍٍ ومسؤوليةٍ وانشغالٍ دائم بهموم الوطن والمواطن، ولم تكن يوماً تفضيلاً لفلان على فلان، أو تشريفاً للتمتع والرفاهية والحياة الرغدة.
لهذا وبغض النظر عن المبالغ والمكافآت التي سيحصل عليها عضو اللجنة المركزية، وكمقاربة بين الحاصل والمأمول، نجد أن التركيز على هذا الجانب، وتجاهل الحديث عن المسؤوليات والواجبات والتكليفات التي ستُضاف لعضو اللجنة المركزية، الذي كان في الأساس عضواً في تنظيم فلسطيني أصيل، يُعد ضرباً من ضروب الشطط، وفيه مجانبة للصواب، ومحاولة لتحويل بوصلة الحركات الثورية من كونها حاضنة للجماهير ومدافعة عن القضية ومطالبة بالحقوق، وسمتها العامة أنها ثورة، إلى أحزاب تلهث وراء الثروة ومسالكها، وأن الذي يسعى وراء الامتيازات والمكاسب دون الواجبات والمسؤوليات ليس أكثر من منتفع غير مستعد للتضحية، وسيتردي في وحل المادة والمال بدلاً من حرصه على الرقي في سلم الوطنيات والأخلاقيات والواجبات.
لذامن الأولى أن لا تقبل أي حركة فلسطينية ما يُقال عن امتيازات قيادييها، وأن لا تطرب لهذا الحديث، ويجدر بها أن تنفي ما يُشاع حول هيئاتها القيادية، وأن توضح الأمر بشكل جليّ، فالوطن والفصائل والحركات الوطنية بحاجة إلى من يقدم لها وليس لمن يأخذ منها، لمن يُعطيها وليس لمن تُعطيه، لمن يعمل لها وليس لمن تعمل له، لمن يُضحي من أجلها وليس لمن يُضحى بها من أجله، وإذا لم يكن الأمر وفقاً لهذه القواعد، فبين الثورة والثروة ستضيع البوصلة، وستضمر التكليفات والواجبات والمسؤوليات لصالح نمو المكاسب والمكاتب والامتيازات، وعندها فإن العيون ستتجه للبحث عن العاملين من أجل القضية والكرامة والدين والوطن".
مقال: بين التفريط بالثورة والحرص على الثروة تضيع البوصلة
بقلم : النائب ابراهيم دحبور