أعلن ميلاد المكتب السياسي الجديد لـ "حماس"، في بيئة سياسية معقدة ومشتعلة، تتقاذفها رياح التجاذبات السياسية وتستعر فيها نيران المواجهة والحرب، والتي أدت في المحصلة إلى حشر القضية في عنق الزجاجة وجعلت الفصائل في خانة المواجهة.ويترافق هذا الميلاد، مع تحديات سياسية داخلية وخارجية، تدرك الحركة خطورتها على مسار القضية الفلسطينية، وما تشكله من الغام خطيرة في طريق المقاومة والمواجهة، سواء كان على صعيد البيئة الداخلية او الخارجية، او مؤثرات الرياح السياسية القادمة من واشنطن.
على صعيد البيئة الإقليمية وتوازناتها، وجدت الحركة نفسها بين ملتقى التيارات المتدافعة فيها، ودفعت الثمن الأكبر على صعيد تحالفاتها بين موازين المتغيرات السياسية وتشكيل المحاور في المنطقة، تحديدا في ظل صراع قطبي السعودية وإيران.
ورغم محاولتها النأي بنفسها عن الاستقطاب المذهبي والسياسي، الا انها وجدت نفسها في مسرح المواجهة، سيما وأن أحد قطبي النزاع يشكل عمقها السني والعربي، والآخر يشكل الرافد والداعم والحليف التقليدي.
وبدأت ملامح الصراع السياسي التقليدي تتضح معالمه بين محورين تقليدين الأول يضم الخليج العربي ومصر والاردن والثاني إيران وحلفاءها، ومحور ثالث خجول ومترنح يقف على الحياد في مقدمته تركيا وقطر، إذ وجدت الحركة نفسها وبدون قصد جزءًا من هذا التيار الذي يحاول الإمساك بالعصا من المنتصف.
وفي خضم المعارك المشتعلة في المنطقة، تحملت الحركة وزر ما حملته رياح التغير في المنطقة، بالإضافة الى سوريا، كانت الحركة في عين العاصفة من بوابة القطاع الجنوبية، مصر في ظل مساعي حثيثة بذلتها الحركة لإعادة التئام الجرح وتضميد العلاقة التي تعرضت للعديد من القروح الكبيرة في المرحلة الماضية.
السعودية والخليج العربي باستثناء قطر تدرك حماس أن الباب سيظل مواربًا في وجهها بخجل، بعدما نجحت في تحويل العلاقة من العداء الى الهدوء، إلا أن هناك جهدا مضاعفا ينبغي بذله لتحويل ولو جزء من هذه العلاقة الى موقع الصديق.
أمّا مصر فإن الحركة وان تمكنت من فتح قنوات كانت موصدة في وجهها مع القاهرة، الا ان ثمة تحد في تثبيت التهدئة مع القاهرة، وتطوير العلاقة معها.
بين الحليف والصديق والمهادن، تجد الحركة نفسها امام تحديات جمة في ظل إقليم يصفي حساباته مع الحركة على ضوء رفضها الانخراط في مشروع التسوية والقبول بالمبادرة العربية، أضف اليها أن هذه الحركة يحسبوها على انها جزء من الاخوان المسلمين.
ووفق المصادر العليمة في حماس، فإن الحركة قد تتجاوز جانبًا مهما من اشكالياتها الأيدلوجية عبر تطوير الوثيقة السياسية التي بصدد الإعلان عنها في المرحلة المقبلة.
أمّا إيران، التي تابعت بصمت الانتخابات الداخلية، فقد رأت فيها شأنا داخليا، لكنها أكدّت انها ستواصل دعمها للحركة بدون تحفظ، كما قال حسين شيخ الإسلام مستشار وزير الخارجية الإيراني لـ "الرسالة نت ".ووفق شيخ الإسلام، فإن إيران تدرك أن مواجهة قادمة في المنطقة في ظل التلويح الإسرائيلي بشن عدوان على غزة ولبنان، وهو ما يستدعي دعما مضاعفًا للمقاومة.
ويقع على عاتق الحركة ايضًا إذابة المزيد من الجليد في علاقاتها الإقليمية والبحث عن مفاتيح جديدة لتوطيد العلاقة مع التجمعات والحركات الداعمة للقضية الفلسطينية في القارات الأخرى، بما فيها الحركات اليسارية.
وتبرز تحديات جوهرية أخرى، من قبيل الحراك الإسرائيلي المتواصل لضم الضفة الى القدس، في ظل ضعف الجبهة المقاومة هناك بفعل التنسيق الأمني، وهو ما يضع الحركة أمام تحد آخر للتعامل مع هذا الواقع.
ويضاف لها سلسلة تحديات سياسية من قبيل العروض التي تسرب حول رغبة قيام دولة في سيناء أو غيرها، ما يعكس حجم المخاطر السياسية التي تقف في وجه الحركة.
وتنعكس خطورة هذه الأوضاع على الملفات السياسية والمحلية في البيئة الداخلية، خاصة وأن ملف المصالحة لا يزال متعثرًا وتوجه رئيس السلطة محمود عباس لمزيد من الخطوات الانفرادية التي تعزز الانقسام من قبيل اجراء الانتخابات في الضفة دون غزة.
وتواصل حكومة التوافق الضرب بعرض الحائط ملف قطاع غزة، وهو تحد آخر يوجد الحركة في مصاف البحث عن حلول جذرية للتعامل مع ملف المصالحة برمتها وفي المقدمة منها دفع عباس لتطبيق خياراتها.
ومقابل ذلك، تتلاشى الفرص تقليديا امام هذا الكم المهول من الـتحديات، الا ان الحركة تقف امام أوراق قوة ضابطة وداعمة من قبيل قدرتها على استثمار التحركات الدولية الرامية والبحث عن سبل تعزيز الانتفاضة التي غيرت من ملامح المرحلة مؤخرًا في الضفة المحتلة، وفتح قنوات اشتباك جديدة هناك تعيق التقدم في العملية الاستيطانية.
اما غزة فالفرص تبدو مرهونة لما يمكن ان تحرزه الحركة من تقدم على صعيد الملفات السياسية في الإقليم، وتحديدا في العلاقة مع مصر، وما ينعكس عنها في القضايا المعيشية الرئيسية كالسفر وفتح المعبر وغيرها.