وقف التنسيق الأمني.. قرار حقيقي أم مناورة إعلامية ؟!

عباس ونتنياهو
عباس ونتنياهو

الرسالة نت- محمود فودة

 

صحيحٌ أن محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية قال إنه جمّد الاتصالات مع الاحتلال على المستويات كافة، لكنه لم يتطرق للجزء الأهم منها، لما يمثله من تغيير للواقع السياسي والمقاوم في الضفة، ألا وهو التنسيق الأمني.

وبدا واضحًا أن عباس تعمد ترك الجملة فضفاضة دون تحديد للاتصالات، وهل أن التنسيق الأمني يعتبر ضمن الاتصالات أم تحت مسمى آخر، رغم علمه أن الورقة الأهم في يده تتمثل بالتنسيق، فلو أنه أراد التصعيد سياسياً بما يتوافق مع حجم الغضب السائد في الشارع الفلسطيني، لأعلن صراحةً وقفه إلى حين تراجع الاحتلال عن إجراءاته الأخيرة في محيط المسجد الأقصى.

وثمة شواهد تشير إلى أن قرار تجميد الاتصالات لم يكن بمبادرة من أبو مازن، بل هو اقتراح من المحيطين به في اللجنة المركزية لحركة فتح واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، حيث أبدى امتعاضه من انفعال الحاضرين لحظة إعلانه تجميد الاتصالات مع الاحتلال، إذ صفق المجتمعون بحرارة، ما أظهر استنكار عباس لفعلهم متسائلًا: "انّبَسطّتوا؟" (في إشارة إلى عدم اقتناعه ورضاه بالقرار).

وأعلن عباس في ختام اجتماع عقده في مقر الرئاسة برام الله، عن تجميد الاتصالات مع دولة الاحتلال، على المستويات كافة لحين التزام "إسرائيل" بإلغاء الإجراءات التي تقوم بها ضد شعبنا الفلسطيني عامة، ومدينة القدس والمسجد الأقصى خاصة.

وبدأ مسلسل التنسيق الأمني منذ أن وجه الرئيس الراحل ياسر عرفات رسالةً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، عام 1993 تضمنت تعهد منظمة التحرير بملاحقة "الإرهاب".

ومع قيام السلطة الفلسطينية عام 1994 في غزة وأريحا، قالت "إسرائيل": "إن توسيع الرقعة الجغرافية لعمل السلطة مرتبط بأداء السلطة الأمني، ومدى قدرتها على ضبط الأمن لصالح إسرائيل"، وكما جاءت اتفاقية طابا لعام 1995 لتضع توضيحًا له بحيث نصت على أن السلطة مسؤولة عن منع "الإرهاب"، في إشارة إلى منع أعمال المقاومة.

من جهتها، أعلنت "إسرائيل" في بادئ الأمر على لسان الميجر جينرال يؤاف مردخاي منسق أعمال حكومة الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، أن "الاتصالات لن تقطع"، وأنه حصل على تطمينات من قبل السلطة، وأن الاتصالات مستمرة والتنسيق الأمني والمدني مستمر.

وفي اليوم التالي، غيرت "إسرائيل" حديثها، وأعلنت أن السلطة أوقفت التنسيق الأمني بشكل رسمي على لسان مصدر أمني مسؤول، مما يطرح أسئلة عن الرواية الإسرائيلية، وتغييرها في غضون ساعات، الأمر الذي من شأنه أن يبعث بالريبة من مغزى تغيير الرواية، من النفي إلى التأكيد المجهل.

وإضافة إلى تصريح موردخاي، نشرت وسائل إعلام متعددة، صورة رسالة بعثها حسين الشيخ رئيس هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية إلى مديريات الهيئة يؤكد فيها، أن ما ورد على لسان الرئيس عباس، لا "يشمل مديرياتكم" ولا التنسيق الأمني..ويستمر العمل كالمعتاد.."

ورغم أن الوزير حسين الشيخ قد نفى الوثيقة واعتبر أنها مزورة، وحذّر من التعاطي معها، إلا أنه في الوقت نفسه لم ينفِ أو يؤكد ما جاء فيها، ولم يعقب بأي تصريح ذي معنى كوقف الاتصالات أو التنسيق، بل اكتفى بالتحذير والنفي.

وميادين التنسيق تتلخص في الدوريات المشتركة لضمان أمن بعض الطرق عبر المدن الرئيسة، وملاحقة سلاح المقاومة، واعتقال من يشتبه برغبتهم ونواياهم بمقاومة الاحتلال، وملاحقة التنظيمات التي تتبنى فكرة المقاومة وهدمها تمامًا كما يحصل الآن ضد حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وإشاعة الذعر في صفوف الشعب من حيث نشر المخبرين ومندوبي أجهزة الأمن للتفتيش عن مواقف المواطنين وأعمالهم وتوجهاتهم.

وعن وجهة النظر الفتحاوية، فقد قال الناطق الإعلامي باسم الحركة أسامة القواسمي في حديث لـوكالة "وطن"، إن الرئيس في كلمته قرر تجميد الاتصالات بكل أشكالها مع "إسرائيل"، بما فيها التنسيق الأمني.

وفي التعقيب على ذلك، قال الكاتب والمحلل السياسي ياسين عز الدين إن خطاب عباس يحمل كثيرًا من الأوجه والتفسيرات ولا يمكن الحكم عليه إلا من خلال التطبيق على أرض الواقع.

وقال عز الدين في حديث لـ"الرسالة" أن عباس تكلم عن وقف الاتصالات كافة، وهذه كلمة مطاطة وحمالة أوجه، مضيفا: "الأرجح أن التنسيق الأمني سيستمر بالعمل كالمعتاد ولن يتأثر بخطاب عباس، وذلك لأن وقفه سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل السلطة وعباس لم يصل لهذه المرحلة حتى الآن ولا أظنه سيصل إليها".

ورجح أن يقصد الاتصالات السياسية واللقاءات التطبيعية فقط لا غير، ورغم ذلك فيجب استثمار تصريحاته من أجل تحريك الشارع وتوجيهه للانتفاضة نصرة للمسجد الأقصى.

وهذا ما أشار إليه أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح البروفيسور عبد الستار قاسم بأن السلطة لا يمكن لها أن تتخذ قرارًا بوقف التنسيق الأمني، فهذا يعني نهايتها، مشيرًا إلى أن شيئًا لن يتغير في طبيعة العلاقة بين السلطة و"إسرائيل".

وأوضح قاسم لـ"الرسالة" أن السلطة ستوقف المتوقف أصلاً وهي اللقاءات مع الاحتلال، أو اتصالات روتينية بين الطرفين، أما وقف التنسيق الأمني فهو يحمل في طياته تغييرًا للواقع في الضفة، وهذا ما لا يمكن أن تفعله السلطة، ولن تسمح به "إسرائيل".

وهذا ما أكده عليه الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني بأنه لن يكتب النجاح لأي سلطة ترفض التنسيق الأمني وخصوصًا في الضفة؛ لأن "إسرائيل" ستفشلها وسيتوقف المال السياسي الدولي والإقليمي عنها.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير

البث المباشر