هل تعتقدون أن جلسة "العصف الذهني" التي تحدث عنها (غرينبلات) مساعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والممثل الخاص للمفاوضات الدولية ستأخذ قارب غزة الغارق في الحصار إلى شاطئ الأمان؟، أم سنشهد حزمة جديدة من المقايضات السياسية مقابل الغذاء والدواء؟
وكان (غرينبلات) كشف قبل أيام أن البيت الأبيض سيشهد الأسبوع المقبل "جلسة عصف ذهني" لإيجاد حلول حقيقة للمشاكل التي يواجهها الفلسطينيون في غزة.
وتحدث (غرينبلات) في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" قائلاً: "مؤتمرنا سيركز على الأفكار التي تساهم في تطوير الاقتصاد في غزة، وجعلها قابلة للحياة"، مضيفا "مع الأخذ بالاعتبار المخاوف الأمنية المصرية والإسرائيلية على حد سواء".
وكشف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني عن رفض السلطة الفلسطينية دعوة الولايات المتحدة، لحضور اجتماع للدول المانحة يبحث تحسين الوضع الإنساني في غزة، والمقرر في الـثالث عشر من الشهر الجاري في البيت الأبيض، واصفاً ما يجري بمحاولة "تصفية القضية وليس معالجة الأزمة".
بُعد أمني
لو كان (غرينبلات) صادقاً بشأن غزة لما قطعت أمريكا دعمها المالي عن (الأونروا)، لو كانت أمريكا صادقة لما أقدمت على الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمةً للاحتلال، عابثة بذلك بجوهر القضية الفلسطينية.
هذا ما لا تريده غزة، مؤتمر جديد حول أزماتها الإنسانية تكون هي آخر المستفيدين من الأرصدة المالية التي خصصت من بعد حروبها الثلاثة بالمليارات وحجب الحصار السياسي عنها حبّة الدواء وعلبة حليب الأطفال.
ويؤكد د. إبراهيم حبيب الخبير في الشئون الأمنية أن أمريكا لن تناقش أحوال غزة الإنسانية وسبل تخفيفها حبّاً في غزة ولكنها تفعل ذلك تناغماً مع حليفتها (إسرائيل) التي تخشى انفجارها وتأسيساً للمرحلة الأولى من (صفقة القرن).
وكما يروي المثل الشعبي "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم" يحاول الأمريكان و(إسرائيل) وأصدقاؤهم إبقاء غزة تتنفس دون أن تقوى على فعل شيء، وهو مطلب إسرائيلي بُعده أمني قد تشهد معه غزة تخفيفات إنسانية بسيطة في ظل أزماتها المتصاعدة مؤخراً.
ويتوقع الخبير حبيب أن تبقى الأمور بغزة تراوح مكانها في الفترة المقبلة، وأن ما يحدث لغزة هو مجرد إنعاش لأن القوى الوطنية لا تمسك بزمام المبادرة ولا تستطيع تغيير الواقع.
ويتابع:" الوطن العربي حاله سيء والأقرب للتأثير والتغيير هو بدء حراك مدني وشعبي على الاحتلال بعيداً عن الحالة السياسية المتردية ولفت نظر العالم لمشاكل غزة الإنسانية الخطيرة".
مقايضات سياسية
أمريكا بقيادة زعيم المال والأعمال (ترامب) تحاول حقن "الأدرينالين" في وريد التسوية المتعثّرة من سنوات طويلة لتدور عجلة مشروعه الجديد (صفقة القرن)، وهي اليوم بصدد التناغم والمقايضة مع (إسرائيل) في ذات الوقت.
الأمريكان يخططون في أحسن الأحوال للفلسطينيين دولة في غزة الموسعة وحكم ذاتي بعد القبول بيهودية الدولة والاعتراف بكيان الاحتلال وهو مخطط بدأت تتضح معالمه ميدانياً على الأرض.
ويقول الخبير حبيب: "بإمكان الأمريكان حل أزمات غزة لكنهم لا يريدوا ذلك فصفقة القرن تتناول خمسة محددات هي: لا تقسيم للقدس-لا عودة للاجئين-إبقاء المستوطنات الكبرى-لا دولة على حدود 67-إنشاء كيان حكم ذاتي منزوع السلاح".
أما محمد مصلح الباحث في الشئون الإسرائيلية فيرى أن السياسة الأمريكية الآن تحاول مقايضة السياسة الإسرائيلية بمنطق المال والصفقات الذي يسيطر على عقلية (ترامب).
الهدية التي قدمها (ترامب) حين اعترف بالقدس المحتلة عاصمةً للاحتلال وفي أيار المقبل سيرفع العلم فوقها بالقدس تحتاج حسب رؤية الباحث مصلح لخطوة من قبل (إسرائيل) في صفقة القرن.
ويتابع: "الحديث مؤخراً عن غزة فقط يعني فصلها عن الضفة وحل ازمة غزة أسهل سياسياً من إشراكها مع الضفة وفي ذلك تناغم مع (إسرائيل) ودور مصر الذي يعتبر مركزياً لا يمكن تجاوزه في ملف غزة وجلسة أمريكا الحالية لتخفيف أزمة وليس لإيجاد حل سياسي شامل".
أحلام لا واقع
كثيرةً هي الأحلام التي تداعب فضاء غزة فمنذ بدء حل (غزة-أريحا) مطلع مرحلة (أوسلو) سمعنا بـ(سنغافورة) العرب حتى وصلنا لأحلام (الميناء والمطار) الجديدين وفتح مشاريع اقتصادية ورخاء اقتصادي.
تجزئة القضية الفلسطينية وعزل ملف غزة عن الضفة يأتي حسب رؤية الباحث مصلح للتصور العملي لصفقة القرن الذي كشف مؤخراً أنها بحاجة لسنوات طويلة.
ويقول مصلح: "إن الدور المصري يأتي حالياً في كيفية إقناع حماس أن تكون شريكاً ولعل ضغوط عباس في المرحلة الحالية تفهم على وجه آخر حين يحاول بالضغط المتزايد على غزة دفع حماس للحضن المصري".
الحوارات المكثفة التي عاشتها حماس في الأسابيع الماضية مع مصر تشي أن هناك بديلا واردا للعمل إن ظل عبّاس رافضاً تغيير موقفه وهو ما يعزز فرصة محمد دحلان المتوقعة بدعم دول عربية مؤثرة في الإقليم.
مغادرة عباس يتلوها كما يتوقع الباحث مصلح احتمالات تشرذم وانقسام حركة فتح وصعود تيار دحلان وعندها سيكون لحماس رؤية سياسية في التعامل مع الواقع الجديد ستكون مصر حجراً أساسياً على رقعتها.
قليل من التأمل وكثير من الفهم للحراك السياسي من واشنطن إلى الرياض والقاهرة و(تل أبيب) بات يقنعنا أن رحيل عباس رئيس السلطة الفلسطينية ربما يؤسس لمرحلة جديدة وتمرير القسط الأول من صفقة القرن فيكون لغزة فيها عنوان آخر بعد حسم مستقبل الضفة لصالح (إسرائيل).