تحدت الفقر

مدلين تعارك البحر لاطعام أشقائها

الطفلة مدلين اثناء رحلة الصيد
الطفلة مدلين اثناء رحلة الصيد

الرسالة نت - فادي الحسني

لست في حاجة لتسمع الكثير عن مجد النساء حتى تصدق مقولة "المرآة نصف المجتمع"، خاصة عندما ترى فتاة في السادسة عشر من عمرها، من سكان قطاع غزة، تقود قارب الصيد وتغزو البحر طمعا في توفير لقمة العيش لأشقائها الثلاثة الصغار.

باكرا ومع بزوغ الشمس، تغدو الفتاة مدلين كُلاب- وهي أصغر صيادة في القطاع المحاصر منذ أربعة أعوام-إلى شاطئ البحر الذي لا يبعد عن بيتها سوى عشرات الأمتار، برفقة شقيقيها ريم وكايد، لتبدأ رحلة الصيد اليومية التي من خلالها توفر وجبتي الإفطار والغذاء لأشقائها.

مدلين وهي الفتاة البكر لوالدها محروس في الخمسين من العمر، والمقعد منذ زمن، تحمل على عاتقها إعالة الأسرة البائسة، في تحد منها للوضع المادي المتردي الذي يعانيه آلاف العائلات الغزية في ظل حصار ضاعف نسبة الفقر إلى 60%.

ويعاني صيادو غزة الذين يزيد عددهم عن 3000 صياد، انحسارا كبيرا في مهنتهم بسبب الملاحقة "الإسرائيلية" وضعف الامكانات.

وتحترف الفتاة النحيفة السباحة مذ كانت في السابعة من العمر،"" لكنها اليوم باتت تتقن مهنة الصيد التي توارثتها عن والدها اللاجئ المنحدر من قرية حمامة.

تضع الطفلة مدلين الملتزمة بالحجاب، الشباك المترهلة على سطح القارب الصغير، ثم تبدأ بجرها نحو الماء ومن ثم تقود دفة المركب عبر مجداف طوله أضعاف ذراعيها أربعة مرات، وشقيقها الصغيران يجلسان خلفها.

تقول الفتاة كلاب بابتسامة ممزوجة بالألم لـ " الرسالة نت ": الحاجة اضطرتنا لنواجه الموج ونتحدى قسوة الحياة لنعيل أسرتنا".

يستمر الموج في ملاطمة مركب صغار أسرة كلاب، حتى تستقر ربان المركب على بعد كيلومترين من الشاطئ، وتقوم بمساعدة شقيقها برمي الشباك في البحر، ومن ثم تعود ثانية إلى الشاطئ.

تنتظر مدلين صاحبة البشرة القمحية بضع ساعات، إلى أن يحين موعد جلب الشباك، ثم تعود مجددا إلى حيث وضعت شباكها بناء على علامة قد حددتها، وتبدأ مكابدة سحبها إلى ظهر القارب ذو الحواف الزرقاء.

لا ينتهي عناء مدلين وشقيقيها الصغار عند هذا الحد، إذ تحتل المرحلة الأخيرة من رحلة الصيد، المساحة الأكبر من التعب، خاصة أنها تضطر عند الرسو لسحب المركب المحمل بالشباك المثقلة بالرزق، إلى الشاطئ.

في الأعلى وعلى تلة قريبة يراقب الأب محروس، بعينين حزينتين أبناءه الثلاثة من نافذة كوخ مغطى بسعف النخيل، وهم يخرجون الرزق (الأسماك) من بين ثقوب الشباك.

وقال الأب الذي أثقل المرض حركته : كم هو صعب أن يرى الأب نفسه عاجزا عن توفير لقمة العيش لأبنائه، ولكن الحاجة اضطرت مدلين وأشقائها لممارسة هذه المهنة الصعبة بدلا مني، لإعالة الأسرة".

ويكتف الأب بإعطاء توجيهاته لأطفاله قبل ركوب البحر، لكنه أعتاد في الفترة الأخيرة على إعطاءهم حريتهم في اختيار المكان الأنسب للصيد وإرساء الشباك.

وأصبح الأب الخمسيني يعتمد على طفلته اعتمادا كليا، لاسيما بعد احترافها الصيد والسباحة معاً، ويشير إلى أن جيرانه الصيادين يقومون أحيانا بمساعدة مدلين أثناء تحصيل المركب (أي عودته).

وبالانتهاء من إفراغ الشباك من حمولتها، تهم الطفلة البكر إلى الكوخ لتعد الإفطار بمساعدة ولدها في جو حار يزيد من سخونته اللهب المقاد تحت السمك، لكن رائحة الشواء تلطف الأجواء قليلاً وتفتح شهية الأسرة البائسة على الأكل.

بانتهاء تناول وجبة الإفطار، تنصرف مدلين إلى البيت مجدداً، للقيام بأعبائه اليومية، من طبخ أو غسل أو غيره من تحضيرات، لتنال بعدها قسطا بسيطا من الراحة.

وتصر مدلين التي تطمح لأن تصبح مصممة أزياء نسائية، على أكمال تعليمها المدرسي وصولا للجامعة، مشيرة إلى أن حاصلة على دورات في تصميم الأزياء.

وتجمع مدلين صاحبة العينين السودواوين بين مهنتي والديها المختلفتين وهما الصيد والحياكة، وتقول الطفلة بكلمات ممزوجة بالجد والهزل: "أجيد حياكة القماش والشباك في آن واحد"، ثم ترسم ابتسامة بريئة على شفتيها وتصمت.

ولا تجد مدلين شيئا قد يدفعها لترك البحر، وتقول: السباحة والصيد ليست مجرد مهنة فقط، فهي هواية منذ الصغر، ولن اترك البحر بحال من الأحوال".

ولا تقرأ الطفلة في عيون صديقاتها ومن هم حولها سوى بالغ التقدير، وتفيد بأن معظمهن يطلبون منها تعليمهن السباحة والصيد، كهواية ينجذب إليها المواطنين الساحليين.

وتلفت مدلين إلى أنها لا تزال على رأس عملها، كمنقذة بحرية للنساء في إحدى الاستراحات على شاطئ البحر، موضحة أنها لن تبخل على أي من الفتيات اللواتي يرغبن تعلم العوم في الماء.

صحيح أنه اعتاد سكان القطاع المعروف بعاداته وتقاليده المحافظة، على رؤية الصيادين، دون الصيادات، إلا أن رؤية مدلين عيانا تجدف بساعديها وسط الدوامات، قد ينبأ الأهالي الساحليين بأن غزة لا تزال حبلى بالنماذج النسائية المكافحة.