تراجع عددي مقابل تطور نوعي للحزب..

كيف انهارت التقديرات الاستخبارية للاحتلال في لبنان؟

الرسالة نت - خاص

تتزايد المؤشرات على تعمّق أزمة التقدير الاستخباري لدى إسرائيل، في ظل تصاعد خسائرها على الجبهة اللبنانية، وفشلها في تحقيق أهداف حاسمة في المواجهة مع إيران. وبينما كانت تعتقد دولة الاحتلال أنها استعادت زمام المبادرة بعد الضربات التي استهدفت قيادات بارزة في حزب الله، تكشف التطورات الميدانية عن واقع مختلف، عنوانه قدرة خصومها على التعافي والمباغتة.
 صدمة الواقع
 خريف 2024، ادعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنها حققت نجاحات نوعية، بعد الاغتيالات التي طالت قيادات الصف الأول في حزب الله وعملية البيجر المعقدة، في مقدمتهم حسن نصر الله، ما عزز الاعتقاد بعودة التفوق الاستخباري الاحتلال.
وهم التفوق الاستخباري سرعان ما تلقى ضربة جديدة، مع اعترافات رسمية من داخل الجيش الإسرائيلي، فقد أقرّ رافي ميلو قائد الجبهة الشمالية في جيش الاحتلال بوجود فجوة بين التقديرات المسبقة والواقع الميداني، مشيراً إلى أن قدرات حزب الله على التعافي جاءت مخالفة لكل توقعات المؤسسة العسكرية.
فجوة استخبارية تتكرر
تعززت هذه المعطيات بتقارير نشرتها صحيفة هآرتس، والتي كشفت عن تباين واضح بين الخطاب الرسمي والصورة الاستخبارية الفعلية في جنوب لبنان، ما يعكس خللاً أعمق من مجرد أخطاء تقدير عابرة.
وفي السياق ذاته، أظهرت تقارير صحيفة نيويورك تايمز أن دولة الاحتلال بقيادة نتنياهو، قدّمت للرئيس الأميركي دونالد ترمب تصورات متفائلة بشأن إمكانية حسم المواجهة مع إيران، استناداً إلى تقديرات استخبارية قللت من قدرات طهران وردودها المحتملة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الحزب لم يفقد قدرته على المبادرة، بل أعاد توزيع موارده بما يتناسب مع متغيرات الحرب، عبر عمليات مكثفة ضد اسرائيل وخلق حالة استنزاف مستمرة.
ومع تصاعد المواجهة، أعلن حزب الله تنفيذ آلاف العمليات ضد إسرائيل، تجاوزت 4600 هجوم منذ بداية الحرب، وفق بياناته، شملت استهداف مواقع عسكرية في الشمال الإسرائيلي ومناطق مدنية وعسكرية على حد سواء.
وتشير تقديرات إعلامية إسرائيلية إلى أن هذه الهجمات أسفرت عن سقوط عشرات القتلى وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية في المستوطنات الشمالية، إضافة إلى خسائر اقتصادية قُدرت بمليارات الشواكل.
كما شكّل يوم واحد من التصعيد، وفق بيانات المقاومة، نقطة تحول في نمط المواجهة، بعدما جرى إطلاق عشرات الصواريخ في عمق الشمال الإسرائيلي، ما عكس قدرة الحزب على تنفيذ عمليات كثيفة رغم الضغوط العسكرية.
إعادة التموضع بعد وقف إطلاق النار
منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أواخر 2024، واصلت إسرائيل تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، في محاولة لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب وقطع خطوط الإمداد عبر الأراضي السورية.
وفي المقابل، تشير تقديرات ميدانية إلى أن حزب الله أعاد تنظيم جزء من بنيته العملياتية، ما سمح له بالعودة التدريجية إلى إطلاق رشقات صاروخية باتجاه شمال إسرائيل، في تطور وصفته جهات سياسية إسرائيلية بأنه “غير متوقع”.
بحسب تقارير نقلتها قناة i24NEWS استناداً إلى معهد أبحاث إسرائيلي، فإن الترسانة الحالية للحزب تُقدّر بنحو 25 ألف صاروخ، غالبيتها قصيرة ومتوسطة المدى، مع وجود محدود للصواريخ الدقيقة.
كما تشير التقديرات إلى امتلاك الحزب نحو ألف طائرة مسيّرة، إلى جانب قوة بشرية تتراوح بين 30 و50 ألف مقاتل، بينهم وحدات نخبوية مثل “الرضوان”.
ورغم هذا التراجع الكمي مقارنة بالسنوات السابقة، يرى مراقبون أن التحول في أدوات القتال نحو الصواريخ القصيرة والطائرات المسيّرة يعكس تكيفاً مع طبيعة المواجهة الحالية.
دلالات التصعيد الأخير
وتشير التقديرات إلى أن دخول حزب الله مجدداً في المواجهة المباشرة، بالتزامن مع التصعيد الإيراني، يعكس مستوى من التنسيق غير المباشر داخل محور المقاومة، ويؤكد استمرار دوره كأحد أبرز الفاعلين في المعادلة الإقليمية.
كما تشير التطورات إلى أن قدرة الحزب، رغم الضربات الإسرائيلية، لم تصل إلى حد الشلل، بل إلى مرحلة “إعادة التشكيل العملياتي”، بما يسمح له بمواصلة الضغط العسكري على الجبهة الشمالية لإسرائيل.
وبين الاستهداف الإسرائيلي المكثف ومحاولات تقليص قدراته، يواصل حزب الله الحفاظ على حضور عسكري مؤثر في ساحة المواجهة، مستنداً إلى شبكة من القدرات الصاروخية والمسيّرات والقوة البشرية.