الرسالة سبورت الرسالة سبورت

مكتوب: بلؤي وأمير.. صديقا الضحكات التي اغتالتها (إسرائيل)

صورة
صورة

غزة- ياسمين عنبر

حين كان لؤي وأمير يوجهان عدسة التصوير نحوهما على أمل المدينة وحبها، وأن تكون غزة بألمها وعذابها خلفية أخيرة لصداقتهما، تتساءل: هل كان بمقدورهما أن يلمحا الصواريخ تتتابع نحوهما؟ وهل امتلكا الوقت الكافي ليلتقطا تلك الصورة!

خمسة عشر عامًا في غزة لم تكن بالحياة التي يجب أن يحياها صغيران بهذا العمر في مكان آخر.. فثلاث حروب عاشاها، وآلام كثيرة أسكنت القهر قلبيهما، وجدول كهرباء يتغير كل يوم والآخر كان يجعلهما يخرجان للمتنزهات هروبًا من الحر القائظ..عاشا حياة كان يجب أن تتوفر لهما معاييرها لا أن يبحثا هما عنها.

حسرة لن تنتهي!

في بيت الشهيد "لؤي كحيل" كانت وجهة "الرسالة" صباحًا، كي توثق دموع الأمهات وقلوبهن المنفطرة وحسرة الآباء وصمتهم!

جدته لأبيه كانت تستند على حائط قبالة الساحة التي كان يلعب فيها "لؤي"، تحكي للنسوة من حولها: "كان روح هالدار.. كان يلعب هنا كورة وصوت ضحكه يملى هالمكان.. والله كان مهجة هالقلب لؤي".

على قبالتها تجلس جدته لأمه، التي ربت أبناءها يتيمة، فخافت دمعاتها طوال حياتها إذ كانت تضع نصب أعينها أن "دمعة اليتيم تهز عرش الرحمن"... فكيف بها وهي ترى أم الشهيد "لؤي" تنتظر أن تلقي النظرات الأخيرة على فلذة كبدها قبل أن يرحل أبدًا!

بجانب أم الشهيد "لؤي" كانت تجلس امرأة بوجه ذابل وعيون ممتلئة بالدمع، تقول لها: "اوعك تضيعي على حالك لحظات وداع ابنك.. وتندمي العمر كله زيي".

كانت تلك المرأة والدة الشهيد "عصام الخطيب"، التي أخبرت "الرسالة" والنسوة أيضًا أنها تعيش يوليو كل عام بحزن عميق، حيث شهر رحيل ابنها التي لم تتمكن من وداعه حين فقدت وعيها لحظة أن أتوا به دقائق كي تقبله مرة أخيرة!

كانت أكثر المستنكرات في بيت الشهيد "كحيل" هي امرأة فلبينية متزوجة من أحد رجال العائلة، حضرت لمواساة أم الشهيد وما فتئت تقول: "يجب أن يعلم كل العالم عن وحشية هذا الاحتلال، يجب أن تلف صور الأطفال كل الدول الغربية".

 "تعال يما يا حبيبي يلا طولت كتير.. هادي آخر مرة بدي أشوفك"، كانت تبكي أم الشهيد "لؤي" قائلة للنسوة أن يخبروا الرجال أن "قلبها كاد أن يحترق"، طالبة منهن الاستعجال في الإتيان به.

وبينما تنتظر النسوة بصمت رهيب خيم على المكان، فإذا بصوت من الخارج يقول: "اجى لؤي"، فقامت النسوة جميعًا عن كراسيهن، وبدأن بالتحلق حول أمه.

طفل صغير كان يصرخ بين المودعين الذين احتاطوا جثمان "لؤي" ويشد بثوب أمه التي تهمس في أذن فلذة كبدها كلمات أخيرة، كان الطفل لا يتجاوز الخامسة من عمره، فحمله والده وقال له باكيًا: "هي يابا شوف أخوك.. شوفه وهو بدمه غرقان".

كان شقيق الشهيد لا يدرك أنها النظرة الأخيرة، لا يدرك أنه في مدينة أكل الغياب قلوب ساكنيها، كما أنه أبدى لأبيه عدم معرفته لذاك الشخص المخضب بدمه.

أمام والدة الشهيد "كحيل" تدرك تمامًا أنه "لا كلمات تواسي فقد الأحبة"، تيقن ذلك حين التففن النسوة حولها بعد أن تمكنت من رؤيته لمدة دقيقة ثم فقدت وعيها.

راحت كل واحدة منهن تغرف من معين المؤازرة والمواساة فقالت إحداهن: "ابنك بيرفع الراس.. ابنك شهيد مش خسارة بفلسطين"، وقالت أخرى: "هاد عصفور من عصافير الجنة يما ما بينبكى عليه".

شطر الوجع!

على بعد أمتار من سرادق عزاء الشهيد "لؤي كحيل"، كانت "الرسالة" على موعد مع رصد شطر الوجع.. الوجع الذي يكتمل هناك بالتمام والكمال.. في بيت عائلة النمرة، حيث الشهيد الذي ارتقت روحه إلى السماء برفقة صديق ضحكاته ومشاكساته "لؤي".

"لا تبك على الدنيا إن كان آخرها الرحيل"، كانت أول ما صادفنا في بيت الشهيد ذي الخمسة عشر عامًا أيضًا، تدرك بعد الحديث مع العائلة أن (إسرائيل) لم تبقِ عينًا في ذاك البيت إلا وقد أبكتها.

ففي الحرب الأولى ودعت العائلة شابًا من شبانها في أولى لحظاتها حيث كان في مكان عمله، وفي عدوان 2014 كانوا على موعد مع فقدان شاب آخر كان يجلس أمام باب البيت.

جميع النسوة توشحن بالأسود، وكانت كل واحدة منهن قد تكورت حول نفسها، تحرق قلبها ذكريات ابنها.. أخيها.. أبيها، التي كانت قد ودعته من ذي قبل.

نقوشات كثيرة كان قد خطها "أمير" على جدران بيته، ستبقى ضمادًا لأمه كلما ضاق بها قلبها من الاشتياق، بأن "ها هي روحه تحلق حولها، حتى وإن غاب الجسد".

وصلت "الرسالة" مع صرخات أم الشهيد "أمير"، "شو ذنب الأطفال في غزة عايشين هالعيشة.. مين لقلوب أمهات غزة ولعيونهم اللي كل يوم بتذرف دم مش دمع.. ابني راح وهو بيلعب في منتزه مش حامل سلاح ولا بيقتل حد.. الله يحرق قلوبهم يما يا حبيبي".

شقيق الشهيد "النمرة" أول من قابلنا على السلالم، فكان يحدث طفلًا آخر: "أنا صرت أخو الشهيد وأمير صار شهيد"، وراح يرفرف بعلم فلسطين الذي سقط عن جثمان "أمير" وهو خارج من البيت، وأخبرنا أيضًا أنه يحب أمير وسيشتاق للعب معه!

لم يكن "أمير" الابن الأكبر لوالده، لكنه كان "اليد اليمنى" له كما قال، فهو رفيقه في عمله كمدير لمدرسة السواقة، تحكي أمه: "كان دائم الرفقة لوالده في عمله وضحكاته وكان كثير المزاح مرح الروح.. كان فاكهة هالدار الله يرحم روحه".

حينما سمع محمد النمرة والد الشهيد "أمير" أصوات الانفجارات، انقبض قلبه كثيرًا ما جعله يشعل التلفاز سريعًا، لتصادفه صورة "أمير" وهو مخضب بدمائه فكانت أول المشاهد، يقول: "توجهت إلى مستشفى الشفاء وأبلغني الأطباء أنه قد استشهد".

يصمت هنيهة ثم يعود لبكائه متسائلًا: "وين العالم.. شو ذنب هذا الطفل.. أمير مهجة قلبي والله.. وين العالم؟"!

عجالة الشهداء

قبل نصف ساعة من وصول خبر ارتقاء الطفل "لؤي" شهيدًا، كان قد ذهب إلى بيته، يضحك كثيرًا ويحدث أمه أنه قد اشترى زي الرياضة الذي طلبه منه مدربهم في النادي بعد أن سمح له بالانضمام إلى فريق كرة القدم في حارتهم.

بطيخة كبيرة كان قد أحضرها "أمير" لعماته اللاتي اجتمعن في بيت جدته، أحضرها على عجالة لفتت انتباه إحدى عماته، تقول لـ"الرسالة": "كان مستعجل كتير.. حكيناله خليك عنا قاعد حكالنا مستعجل ساعة وبرجع بشوفكم".

لم تستطع العمة المواصلة في حديثها عن اللحظات الأخيرة لـ"حبيب قلوبهن" كما قلن، فصمتت كثيرًا وبكت أكثر، لتخترق صمتها إحدى الحاضرات في بيت العزاء: "كان خدوم.. كان اسمه أمير وهو فعلًا اسم على مسمى.. كان أمير بأخلاقه وبراءته".

صواريخ ومتنزه!

مساحات شاسعة تكسوها الخضرة، يقابلها مبنى مهجور، وبجانبها قرية للفنون والحرف شاهدة على إبداع نسوة غزة رغم كل المعاناة التي يواجهنها، كلها تحولت إلى خراب حين استفزت (إسرائيل) من ضحكات أطفال غزة التي تعلو في فضائها، عدا عن التحف الفنية التي تظهر تعالي نساء غزة على جروحهن.

صور الأراجيح التي ظهرت مغبرة في المكان شاهدة على أن بنك الأهداف الإسرائيلي في غزة يأتي على رأس قائمته الأطفال.. هؤلاء الذين يكبرون على حب الوطن وهم نفسهم الذين يدبون الرعب داخل نفوس الجيش الذي يقول عن نفسه "لا يُقهر"!

الشاب العشريني "محمد بدوان" الذي التقته "الرسالة" تحدث لها عن لحظة استهداف متنزه الكتيبة، يقول: "كانت النساء يتحلقن بحلقات يتسامرن، والأطفال يمرحون على المراجيح، قبل أن يباغت الناس الجالسين في المتنزه صوت صاروخين هزا المنطقة بشدة".

فبينما يصرخ الناس، إذ بمحمد الذي كان يجلس في مقهى قبالة المتنزه يسمع صراخًا: "في طفلين مستشهدين عالسطح"، فصعدوا جميعًا أعلى المبنى ليروا محمد ولؤي قد غرقا بدمهما، يكمل: "كان أمير ينطق الشهادتين بينما لؤي يبدو أنه في لحظات حياته الأخيرة فنقلناهما إلى المستشفى واستشهدا الاثنان هناك".

ضحكا ونزفا معًا

عاشا رفيقين عشر سنوات، اقتسما أوجاع غزة سويًا، عاشا همومها الأكبر منهما معًا، وحين قررا الذهاب بعيدًا.. رحلا معًا، فلن يتحسر أحدهما على الآخر، ولن تواسي أمهاتهما صورة للآخر أو حديث عابر لأحدهما عن الآخر.. ارتأيا الحياة والنزف سويًا.

على أكتاف الرجال كانا بجانب بعضهما أيضًا، فبعد وداع أمهاتهما لهما، حملا سويًا ووضعا متلاصقين في مسجد عبدالله عزام، بعد أن هتف المشيعون: "لا إله إلا الله.. والشهيدين أحبة الله".

يوليو المؤلم!

وكأن شهر يوليو في غزة ارتبط باختطاف الملائكة الصغار.. ففي أيامه حدث لا يمكن لغزة أن تنساه أو يغادر ذاكرتها.. حيث أطفال "بكر" الذين قصفتهم طائرات الاحتلال على شاطئ البحر وهم يركلون الكرة بأقدامهم قبل أن يباغتهم صاروخ غادر ويحيل ضحكاتهم إلى عويل أمهاتهم وبكاء الأمواج التي اعتادتهم أيضًا.

لم يكن يوليو في ذاكرة الغزيين يختزل بأطفال عائلة "بكر" الذين اغتال الاحتلال طفولتهم على شاطئ البحر فقط.. فما زالت صور المراجيح التي اختلطت بدماء أطفال مخيم الشاطئ غرب غزة تلاحق الأطفال كلما اقترب العيد وبدا ناصبو المراجيح بوضعها في أزقة المخيم.

ففي العدوان الأخير عام 2014 على غزة ارتكبت طائرات الاحتلال مجزرة شنيعة بحق الأطفال وهم يمرحون على أراجيح العيد، ما أدى إلى استشهاد أحد عشر طفلًا من عصافير المخيم!