الوريث الوريث

في ظل غياب التنسيق والتنظيم

الفجوة بين التخصصات وسوق العمل..ولدت جيش بطالة

طلبة:التعليم بات يخضع لسياسة العرض والطلب وهذا يربكنا

التعليم : قصور في التواصل بين الجامعات والوزارة

تربوي: ضرورة وجود سجل شامل يحدد ميول الطالب منذ سنواته الأولى

اقتصادي: على الوزارة ألا تمنح ترخيص التخصص ذاته لأكثر من جامعة

الرسالة نت - غزة / لميس الهمص

وقف الطالب لؤي أحمد - خريج الثانوية العامة بمعدل 80% - حائرا أمام كم التخصصات التي يمكنه معدله من الالتحاق بها, في ظل غياب لدور الجامعات والوزارة في توجيه الطلبة وتحديد التخصصات التي تناسب سوق العمل.

ويقول لؤي: وقفنا كالصغار على بوابات الجامعات ننتظر من ينتشلنا من دوامة التفكير في أي من التخصصات نلتحق وأيها يناسب سوق العمل، وأي منها يمكننا متابعة دراستنا فيه دون مواجهة صعوبات .

لم يختلف الكثير من الطلبة على وجود فجوة بين مخرجات التعليم المدرسي،والتعليم الجامعي ،علاوة على الفجوة بين مخرجات التعليم الجامعي وحاجات السوق الفلسطينية من خريجي الجامعات الأكاديمية، والمعاهد والكليات المتوسطة.

وبالرغم من أن تلك المشكلة تؤرق الكثيرين إلا أن المستوى الرسمي لازال غير قادر على إيجاد خطة شاملة لتحديد احتياجات سوق العمل وتوجيه طلاب الثانوية العامة إليها ، بالإضافة لإغلاق بعض التخصصات التي تشبع بها السوق وأصبح خريجوها جيش من البطالة .

قصور واضح

المواطن إياد 26 عاما -خريج قسم العلوم السياسية- لجأ لدراسة الماجستير علها تسهل مهمته في الحصول على فرصة عمل, لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل ويقول : غياب التخطيط في تحديد احتياجات السوق جعل العديد من الطلاب يصطفون في طابور البطالة .

ويضيف : العشرات من زملائي في العلوم السياسية لم يستطيعوا الحصول على فرصة عمل ولا زال القسم يخرج مئات الطلبة الذين قد لا يعرف مصيرهم أيضا.

ويتابع إياد: أغلب الجامعات تقدم ذات التخصص، بناء على سياسة العرض والطلب، وليس بناء على حاجة السوق، والثقافة العامة تحكم توجه الطلبة للتخصصات، وليس حاجة البلد الحقيقية.

ويؤكد أنه لا يوجد حتى الآن طواقم متخصصة تعمل على تحديد هذه المؤشرات واحتياجات سوق العمل في فلسطين، ، لافتا إلى أن هناك مبادرات فردية من قبل بعض المعاهد والجامعات، حيث تقوم بعمل ورشة أو دراسة محلية، تحدد عل أساسها حاجتها لتخصص معين.

في المقابل ذكرت الطالبة نسرين يوسف -خريجة الثانوية العامة من القسم العملي- أنها حتى اللحظة لم تستطع تحديد تخصصها الذي ترغب بالالتحاق به ، مؤكدة أن هناك غيابا في المناهج لصقل مواهب الطلبة وتوجيههم باتجاه التخصص المحبب لهم.

وتمنت يوسف أن تلجأ وزارة التربية والتعليم لعقد ورش عمل لطلاب الثانوية قبل إنهاء الثانوية العامة لتعريفهم بالتخصصات المعتمدة وتعريفهم بحاجات سوق العمل ، علاوة على توجيهم لأهمية التعليم التقني الذي يراه البعض عيبا في مجتمعنا.

يشار إلى أن 20 ألف طالب وطالبة توجهوا لامتحانات الوظائف التعليمية الحكومية في قطاع غزة بينما تقتصر حاجة الوزارة على 2700 معلم فقط مما يؤكد على تخريج أعداد كبيرة من المعلمين الذين لا يستطيعون إيجاد فرص عمل.

الجامعات مسئولة

وزارة التربية والتعليم العالي بدورها تحدثت عن خطة مشتركة مع جميع الوزارات تقوم على التمنية الحكومية خلال العامين القادمين, حيث أكد محمود مطر "مدير دائرة التخطيط" بوزارة التربية والتعليم العالي أن وزارته تحرص على العمل بتوازي مع خطة التنمية الحكومية حتى لا تفاجأ بأن أهدافها تختلف مع أهداف التمنية الحكومية . 

وشدد مطير على أن الوزارة تراعي في المنهاج التطورات بشكل عام في العالم وتضمنها له ، مبينا أن الدور الأكبر يقع على عاتق الجامعات كون بعض الخطط الموجودة في الجامعات موجودة منذ التسعينات ولم يطرأ تغير عليها.

وأوضح أن هناك موادا تتلاءم بشكل كامل مع منهاج الجامعة كالرياضيات واللغة العربية والتاريخ والجغرافيا, فالمواضيع التي يتضمنها الكتاب المدرسي يدرسها الطالب في المستوى الأول في الجامعة ، لافتا إلى أن المشكلة تكمن في منهاج التكنولوجيا بسبب التطور التكنولوجي الهائل.

ويعتقد مطير أن المنهاج بالوضع القائم يتلاءم بنسبة 80% مع مناهج الجامعات ، مطالبا الجامعات بتطوير خططها وإجراء مراجعات مستمرة لها كون بعض الكتب لا زالت تدرس من العام 97م بذات الكتب .

ودعا أساتذة التربية في الجامعة بالتواصل الدائم مع الوزارة  للاطلاع على البرامج الريادية وتضمينها في المنهاج حتى يأتي الطالب جاهزا للوزارة, كمشروع التعليم التمكيني والتعليم التكاملي كون الخريج يصل للوظيفة وهو ليس لدية فكرة عن تلك البرامج .

وقال مطير :" يجب أن يحاط الطالب بمشاريع التقييم كالاختبارات الدورية والوطنية فلا نجد لها إشارة في مناهج الجامعات ، فالفجوة تكمن بين الجامعات والوزارة بعدم الاطلاع على التقارير الصادرة عن الوزارة بالرغم من الحرص على إرساله لجميع الجامعات .

ويتابع : يقع على الوزارة دور في التواصل مع الجامعات لكن الجامعات لا يوجد لديها حرص على حضور ورشات العمل, فعند عرض نتائج الامتحانات الوطنية والتي تهم جميع شرائح المجتمع تم توجه دعوة لجميع الجامعات كونه موضوع يمكن إجراء العديد من الأبحاث عليه إلا أن من حضر اللقاء هو عميد كلية واحدة فقط.

ويشير مطير إلى قصور في التواصل بين الوزارة والجامعات ، متمنيا توجيه طلبة الماجستير الدكتوراه للتعاون مع الوزارة في عناوين الأبحاث بما يفيد المجتمع .

وارجع السبب لضعف التنسيق والاهتمام بين الجامعات والوزارة إلى نظرة بعض الأساتذة لموظف الوزارة، وضغط المحاضرات ، مناديا بلجنة تنسيقية دائمة تضم الوزارة والجامعات لدراسة القضايا الفنية .

سجل شامل

وفي ذات السياق قال د.داود حلس الأستاذ المساعد بالمناهج وطرق التدريس بالجامعة الإسلامية :التركيز كله في العالم على التعليم الأساسي والتعليم الثانوي, فالتعليم الأساسي هو إلزامي ومجاني في جميع دول العالم ويفترض أن يتعامل فيه أساتذة لديهم القدرة على التعامل مع الطفل ويتقنون الخط والكتابة والنطق السليم .

وأشار حلس إلى ضرورة أن يكون لكل طفل سجل شامل يرفق لملفه يحدد من خلاله ميول الطفل وهواياته لصقلها أثناء سنوات دراسته مما يؤهله لاختيار التخصص الجامعي المناسب وتوجيهه لذلك .

وذكر أن الجامعات ترفع معدلات القبول لقسم التعليم الأساسي لشدة الإقبال عليه ولضرورة توفر مهارات معينة في الملتحقين بالقسم ، لافتا إلى ضرورة أن يكون الطالب في قسم التعليم الأساسي لدية رغبة ومقدرة على التعامل مع الطفل .

وأضح أن التعليم الأساسي يشمل علم النفس، وأساليب التدريس، ومواد التعليم الأساسي.

وبحسب حلس يجب أن يكون هناك منهجية للـمعلمين و التربويين لتعلّم لغة و أسلوب التواصل مع طلابهم. هذا لا يعني تغيير مفهوم ما هو مهم في العملية التربوية أو مهارات التفكير الجيد, لكنه يعني التقدم بشكل أسرع خطوة بخطوة.

وبين انه من الضروري أن يكون هناك تنسيق بين الوزارات وبين الجامعات لتخريج الطلاب حسب الاحتياجات ، موضحا أن من تقدموا لوظيفة معلم لهذا العام بلغ عددهم 25 ألف طالب وطالبة .

ولفت أستاذ المناهج وطرق التدريس إلى أن رأس مال قطاع غزة هو التعليم, فالبطالة لا تعني إغلاق أبواب الجامعات لكن القضية تحتاج لتنسيق وتخطيط في طرح التخصصات والتخريج ، مشددا على ضرورة التشديد وإجراء الامتحانات والمقابلة الشخصية للكثير من التخصصات للتأكد من ملاءمة المتقدمين للتخصص والمقدرة على الاستمرار فيه والإبداع.

وأكد حلس أنهم كرؤساء أقسام تربويين لا يتأخرون عن أي اجتماع تدعوهم إلية وزارة التربية والتعليم ، مشيرا إلى أنهم لا يبخلون على الوزارة بأية استشارات علمية وتربوية .

وتشير دراسات إلى ضرورة أن يحتوي المنهاج على دمج التراث و المستقبل في منهج متكامل ناجح لتأهيل هذا الجيل الجديد لدخول المستقبل بكفاءة كافية دون التأثير على التراث و التقاليد الأصلية لهذا الجيل وهو تماماً ما تعلمه جيل الآباء في الماضي.

وتطالب الدراسات بتدريب المعلمين على مختلف التقنيات و كيفية استثمارها في العملية التدريسية خاصة في تعليم اللغة، مبينة أن التدريب يجب أن يكون ضمن معاهد تربوية تأهيلية للمعلمين تكون شرطا إجباريا للدخول إلى مجال التدريس.

غياب التخطيط

من جانبه أكد اشرف مشمش رئيس قسم التسجيل بجامعة الأقصى أن الجامعات تتعامل مع سوق العمل بشكل عشوائي ودون خطط لوضع غزة الاستثناني, ما يجعل مستقبلها غامضا ومفتقرا  للدراسات ومراكز الأبحاث التي تهتم بدراسة التخصصات وسوق العمل.

وأشار إلى أهمية أن تجري مراكز مختصة دراسات على المجتمع الفلسطيني بمساعدة الوزارة لمعرفة واحتياجاته وتوجه طلبة الثانوية العامة ، مؤكدا أن طالب الثانوية العامة يعاني حالة تخبط فعندما يدخل معترك الجامعة يشعر باغتراب بين رغباته ورغبات الأهل واحتياجات سوق العمل.

وشدد على ضرورة توجيه وإرشاد خرجي الثانوية العامة للتعرف على ميولهم مبكرا وتنميتها ، مشيرا إلى أن الجامعات في الخارج ترسل استبانات لطلاب الثانوية العامة لتتعرف من خلالها على ميولهم.

وأوضح مشمش أن المسؤولية في توجيه الطلاب تقع على عاتق المدارس والجامعات والوزارات ووسائل الإعلام والقطاع الخاص ، مشددا على ضرورة التنسيق بين الجامعات في استقبال الطلبة الجدد كون المنافسة تغلب على الموضوع وليس مصلحة الطالب .

وأشار أنه خلال السنوات الماضية تم تجميد بعض التخصصات لعدم مناسبتها سوق العمل وعدم وجود مسمى وظيفي لخريجيها إلا أن تلك الإجراءات باتت غائبة في الوقت الراهن، وطالب بإغلاق اي تخصص لا يوجد له مسمى وظيفي بالإضافة لعدم افتتاح أية تخصصات جديدة لا تناسب سوق العمل .

ودعا مشمش الطلاب إلى عدم القلق وألا تشكل الوظيفة لهم هاجسا منذ السنة الأولى للدراسة كون الأرزاق بيد الله .

وفي ذات السياق ذكر الدكتور معين رجب الخبير الاقتصادي للرسالة أن هناك مسؤولية تقع على عاتق الخريج بعد تأهيله عمليا من الجامعة بالالتحاق بدورات تدريبية للحصول على فرصة عمل ملائمة ، مبينا أن حاجة السوق لا تتلاءم بالضرورة مع ما يدرسه الطالب في الجامعة .

وأشار إلى أن المسؤولية تقع على عاتق الجامعة والخريج في التأهيل, فالجامعة يتطلب منها إجراء بحوث على سوق العمل عند طرح التخصصات والبحث في الإمكانيات المتاحة واستكشاف احتياجات السوق الفعلية والتنسيق مع القطاع الخاص ووزارة العمل والتخطيط وديوان الموظفين.

وأكد رجب على ضرورة ألا تمنح وزارة التربية والتعليم ترخيص التخصص لأكثر من جامعة إلا إذا وجد الجديد في التخصص المطروح ، لافتا إلى ضرورة التنسيق بين الجامعات واللقاءات المشتركة لمصلحة طلابهم.

وحول دور الوزارة والجامعات في توعية طلاب الثانوية العامة قال الخبير الاقتصادي: يجب توعية طلاب الثانوية العامة من خلال مطويات إرشادية وبرامج تبث عبر وسائل الإعلام وعقد ورشات عمل وندوات مع الطلبة لتعريفهم باحتياجات سوق العمل.

ونوه رجب إلى ضرورة إتاحة فرصة التحويل لطالب إذا لاحظ من خلال احتكاكه بالجامعة عدم مقدرته على الإبداع في تخصص معين ، مطالبا الطلبة الاحتكاك بسوق العمل قبل التخرج والبحث عن فرص العمل المناسبة من خلال التفاعل مع المجتمع كون العديد من المؤسسات في الخارج تعاقد موظفيها قبل تخرجهم.

ويبقى السؤال  من يتحمل المسؤولية في الفجوة بين التعليم والجامعات وسوق العمل؟ وهل فعلا بدأنا خطوات حقيقية نحو التغيير أم ما زلنا نراوح مكاننا؟

 

 

البث المباشر