ارتبط اسم السياسي صائب عريقات بالمفاوضات مع (إسرائيل) وبنى شهرته عليها، فتولى مسؤولياتها الرسمية وخاض تعرجاتها السرية على مدار أكثر من عشرين عامًا، ولا يخلو مشهد منها أو محطة من محطاتها من صورة له.
ولد صائب محمد صالح عريقات يوم 28 أبريل/نيسان 1955 في أريحا بالضفة الغربية، وهو السادس بين سبعة أطفال من أسرة تنحدر من بلدة أبو ديس، إحدى البلدات القريبة من القدس.
متزوج وأب لبنتين توأم (سلام ودلال) وولدين (علي ومحمد)، وهو حتى الآن يقيم مع أسرته في مدينة أريحا بالضفة الغربية التي تلقى فيها تعليمه الابتدائي.
درس العلوم السياسية في جامعة سان فرانسيسكو الحكومية وحصل على درجة الماجستير فيها عام 1979، ثم التحق بعد فترة بجامعة برادفورد البريطانية وحصل على درجة الدكتوراه في دراسات السلام عام 1983.
عمل عريقات محاضرًا في جامعة النجاح الفلسطينية عام 1979، كما عمل صحفيًا في جريدة القدس الفلسطينية لمدة 12 سنة، وكان أول وزير للحكم المحلي في أول حكومة تشكلها السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات.
تولى مسؤوليات قيادية كثيرة ذات علاقة بالمفاوضات، وقاد المفاوضين الفلسطينيين في أكثر من مناسبة، فكان تأثر مساره السياسي بإيمانه بالمفاوضات وسيلة وحيدة لإنهاء الصراع العربي (الإسرائيلي)، وحاول مبكرًا تجسيد ذلك بدعوته عام 1982 للحوار بين الأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين، وافتتاحه عام 1983 برنامجًا للتبادل الأكاديمي.
كان الحاضر الدائم في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية سرًا وعلانية، فعمل نائبًا لرئيس الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد عام 1991 وما تلاه من مباحثات في واشنطن خلال عامي 1992 و1993، وبقي مفاوضًا في جميع مراحل التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي.
عُيِّن سنة 1994 رئيسًا للوفد الفلسطيني المفاوض، وأضحى كبير المفاوضين الفلسطينيين عام 1995، وكان أحد المقربين من ياسر عرفات إبان اجتماعات كامب ديفيد عام 2000 ومفاوضات طابا عام 2001.
وكسياسي كان عريقات أحد الموالين المقربين من ياسر عرفات إبان اجتماعات كامب ديفيد عام 2000 والمفاوضات التي أعقبتها في طابا عام 2001.
وكان كذلك أحد ثلاثة -إلى جانب عرفات وفيصل الحسيني- كبار المسؤولين الفلسطينيين الذين نصحوا أرييل شارون بعدم زيارة المسجد الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000، وهي الزيارة التي أشعلت الانتفاضة الثانية.
اختلف مع عرفات مرارًا حول قضايا سياسية، لكنه حافظ على ولائه له.
أولى الضربات القاسية التي تلقاها الرجل كانت عبار عن وثائق كشفتها قناة الجزيرة أكدت على أن السلطة الفلسطينية قدمت تنازلات تجاوزت قرارات الشرعية الدولية المتعلقة باللاجئين والمستوطنات، حيث تؤكد القرارات الدولية الصادرة بحقهما على عودة اللاجئين والانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعدم شرعية المستوطنات في الضفة والشطر الشرقي من القدس.
وأشارت الوثائق التي كشفتها الجزيرة إلى أن السلطة ذهبت بعيدًا بالتنازلات عندما وافقت على عودة عدد محدود من اللاجئين على سنوات طويلة والقبول بحلول وسط في قضية الانسحاب من القدس الشرقية، فضلًا عن التعاون مع قوات الاحتلال لاعتقال وقتل مقاومين فلسطينيين.
وبعد تحقيق السلطة الفلسطينية في قضية تسريب وثائق المفاوضات التي حصلت عليها قناة الجزيرة استقال في فبراير/شباط 2011 من منصب رئيس دائرة المفاوضات الفلسطينية، لكنه ما لبث أن تراجع عن استقالته.
لجأ إلى الخطوة ذاتها في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2013 خلال مفاوضات السلام مع الإسرائيليين برعاية أميركية والتي بدأت في أغسطس/آب من العام ذاته، لكن عباس رفض الاستقالة وطلب منه مواصلة مهمته، فامتثل.
وفي فضيحة جديدة اعترفت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني أنها مارست الجنس مع صائب عريقات رئيس لجنة التفاوض الفلسطينية مع إسرائيل.
وقالت ليفني إن الغرفة التي مارست فيها الجنس مع شخصيات فلسطينية ومنهم صائب عريقات وياسر عبد ربه، كانت مزودة بالكاميرات، وأصبحت ليفني تهدد عدداً من الشخصيات العربية بنشر الأفلام التي تم تصويرها على اليوتيوب إذا لم ينفذوا ما تأمرهم به.
منذ ثلاثة أعوام نشر موقع فلسطيني مختص بنشر وثائق وتسجيلات فلسطينية مسربة تسجيلًا صوتيًا لمدير دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، يتضمن هجومًا على سياسات الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مفاوضاته مع إسرائيل.
ووفق التسجيل الصوتي المنسوب له قال عريقات: "عباس بلغ 79 سنة، شو بده (كم يريد أن) يعيش، فليأخذ موقف ويحمي المشروع الوطني الفلسطيني فقط لا غير، عباس في يده كل شيء".
وأضاف موجهًا خطابة للرئيس الفلسطيني: "يا أبو مازن بدك تحرِك نتنياهو وقع على وثائق المؤسسات الدولية... قال (عباس) أنا التزمت. التزمت في إيش هذه مش مزرعة أبوك هذا وطن هذه فلسطين هذه أكبر من الأشخاص.. ما رد علي قدمت استقالتي مرتين".
ومضى عريقات يقول في "التسجيل المسرب": "نتنياهو مش معطيكم شيء قال إنه القدس عاصمة لإسرائيل والخليل موجودة عندهم أبو مازن غلطان ... هذا نتنياهو ليش نازل مفاوضات عشوائية علشان يبني مستوطنات أكثر".
وقال عريقات في التسجيل إن "محمود عباس أعادنا قرن إلى الوراء، بينما الشهيد عرفات برغم اختلافي معه على انتشار الفساد الإداري والمالي وإحاطته ببطانة انتهازية وعدم مؤسسة السلطة والسماح لكل من هب ودب بالحصول على رتبة عسكرية ومنصب مدير عام لكنه كان قادرًا على إبقاء جذوة القضية الفلسطيني مشتعلة".
وأضاف عريقات في التسجيل "منذ وفاة الراحل عرفات قبل 10 سنوات ونحن نتقهقر إلى الوراء، فقر وضعف وغلاء وتقهقر، القضية الفلسطينية بما تحمله من مسؤولية تاريخية وإرث دام تحتاج إلى قائد متحدث ملهم محرك لقدرات وطاقات شعبه".
واعترف كبير المفاوضين الفلسطينيين بفشل 18 عامًا من المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي.
وقال عريقات في مقابلة صحفية "لقد جاءت لحظة الحقيقة ومصارحة الشعب الفلسطيني أننا لم نستطع أن نحقق حل الدولتين من خلال المفاوضات التي استمرت ثمانية عشر عامًا".
وتابع "لقد وصلنا إلى قناعة أن إسرائيل لا تريد دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها في الرابع من حزيران عام 1967".
وأكد عريقات الذي شارك في المفاوضات مع الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993، على أن عباس "وصل إلى قناعة وإلى لحظة الحقيقة التي تقول إن إسرائيل لا تريد حلًا ولا عملية سياسية تقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة".
واعتبر عريقات أن "كل الممارسات والإجراءات الإسرائيلية تدل على أن إسرائيل لا تبحث إلا عن إطالة عمر الاحتلال".
وفي تصريحات أخيرة اعترف كذلك بفشل تطبيق أوسلو قائلًا: لقد فشلنا في تطبيق اتفاق أوسلو، ويجب أن نعترف بذلك... اعترفنا بإسرائيل في حدود العام 1967، وافقنا على تبادل أراضي، وهذه فكرتنا أصلًا.
وتابع: وافقنا على دولة منزوعة السلاح، من دون جيش؛ وعلى حل عادل ومتفق عليه للاجئين، لا يتم فرضه على إسرائيل؛ على وجود طرف ثالث، حلف الناتو أو الأميركيين، كي يطبق ويتيقن من تنفيذ الاتفاق ويتواجد في الأراضي الفلسطينية فقط، لا في إسرائيل ولا في الأردن. وعلى ماذا حصلنا في المقابل؟ على نتنياهو يواصل توسيع المستوطنات في كل مكان".
عاني عريقات، منذ سنوات، من فيروس فريد في الرئة تسبب له بحالة تليف رئوي، جعلته بحاجة ماسة إلى زرع رئة.
خضع لعملية زراعة رئة في مستشفى "إنوفا" بولاية فيرجينيا الأميركية، تكللت بالنجاح.
وتحدث عريقات عن العملية الجراحية لزراعة رئة، التي أجراها في واشنطن، العام الماضي، قائلاً: "كلانا عدنا من العالم الآخر _ويقصد هو ورئيس السلطة الفلسطينية_، لقد كنت في حالة موت سريري خلال عملية الزرع لمدة دقيقتين و40 ثانية في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2017".
وقد ألف صائب عريقات كتبًا، منها: "الحياة مفاوضات"، صدر عام 2008، وكتاب "بين علي وروجز" صدر عام 2014، يقارن فيه بين عناصر التفاوض السبعة التي حددها عالم المفاوضات الأميركي روجز فيشر وعناصر التفاوض عند الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.