تمر الذكرى الثانية على حادثة اغتيال مهندس الطيران التونسي محمد الزواري أمام منزله في 15 ديسمبر/ كانون أول 2016، في وقت أخذت فيه قضيته منحى سلبيا في إعلان وزارة الداخلية التونسية عن بعض تفاصيل الاغتيال دون اتهام جهاز "الموساد" (الإسرائيلي) المسؤول المباشر عن العملية.
وأعلنت وزارة الداخلية التونسية، قبل أسبوع عن تفاصيل جديدة للجريمة، التي قالت إن شخصين يحملان الجنسية البوسنية هما من نفذها ورغم التعرف على مرتكبي الجريمة، إلا أن الجهة التي تقف خلف الاغتيال تبقي "مجهولة" حتى اللحظة.
وقالت الداخلية التونسية إنه لم يتم تسليم السلاح المستعمل في العملية إلى منفذيها في تونس، مرجّحة أن يكون السلاح قد أُدخل إلى البلاد عبر ميناء حلق الوادي، وبحسب الداخلية التّونسية، جرى التحضير للعمليّة في أكثر من عاصمة أوروبية، منها عاصمة المجر بودابست والعاصمة الإيطالية روما، وبدأ التخطيط في 28 يونيو/ حزيران 2016، باستقطاب فاعلين يجهلون بالعملية، عبر مواقع منها "فيسبوك" و"لينكدين"، ومنهم الصحفية مها بن حمودة، التي استأجرت السيارات.
وهنا تتقاطع الأحداث مع رواية "حماس"، التي أعلنت أن الصحفية طلبت في هذا التاريخ وظيفة، وأرسلت سيرتها الذاتية إلى صاحب إعلان على موقع إلكتروني يطلب مساعدين، وأضافت الحركة أنه بعد يومين اتصل شخص يدعى "یوهان"، وهو سويسري الجنسية، هاتفيًا بالصحفية، وأخبرها أنه سيتصل بها بعد حوالي شهرين ونصف.
فيما أعلنت النيابة العامة التونسية أنه تم توقيف منفذي عملية الاغتيال لفترة، غير أن سراييفو رفضت تسليمهما، وجرى إيقاف ساراك (مواليد 1976)، في 15 مايو/ أيار الماضي، في سراييفو، وتم توقيف كامزيتش (مواليد 1970)، في مارس/ آذار الماضي، في كرواتيا، فيما جرى إطلاق سراح منفذي عملية الاغتيال، ورفضت السلطات البوسنية تسليمهما لتونس، بموجب قانون محلي يمنع تسليم مواطني البوسنة إلى دولة أخرى.
ويذكر أن حركة حماس ومن وقت مبكر، اتهمت جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) باغتيال الزواري، لكن المتحدث باسم النيابة العامة التونسية شدد على أنه لا يمكن إثبات أن "الموساد" مسؤول عن عملية الاغتيال ما لم يتم التحقيق مع منفذيها.
وبناءً على ذلك، من المتوقع أن تبقى التفاصيل الكاملة للجريمة في طي الكتمان، ما لم ترغب الجهات التونسية في توسيع التحقيق والتعمق فيه، بما يحقق النتائج التي ستؤدي حتما في نهاية المطاف إلى الوصول للمسؤولين عن هذه الجريمة، وهم جهاز الموساد الإسرائيلي كما أكدت تحقيقات حركة حماس صاحبة الشأن.
من جهتها، وجهت هيئة الدفاع عن الشهيد المهندس محمد الزواري، في أعقاب مؤتمر الداخلية التونسية، الاتهام صراحة إلى جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" في تخطيط وإعداد وتنفيذ عملية الاغتيال يوم 15 ديسمبر 2016.
وانتقدت الهيئة تقصير وزارة الداخلية في التعاطي مع الجانب المتعلق بالجوسسة والتخابر التي أحاطت بعملية الاغتيال، وقال رئيسها عبد الرؤوف العيادي، خلال ندوة صحفية عقدتها الهيئة بدار المحامي، بحضور أرملة الشهيد، إن التهمة المضمنة في ملف القضية هي التعامل مع دولة أجنبية، وأن الكيان الصهيوني متورط في العملية.
واتهم العيادي جهة سياسية معروفة في الحكم بإعطاء التعليمات لإطلاق سراح الصحفي (الإسرائيلي) مواض، في الوقت الذي قدم فيه المدير العام للأمن الوطني آنذاك عبد الرحمن حاج علي استقالته يوم 14 ديسمبر 2016، وهو ما يعني وجود فراغ في الخطة، وفق تقديره، معتبرا أن موقف الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بتونس والقطب القضائي لمكافحة الإرهاب سفيان السليطي كان سياسيا.
واستغرب من عدم توجيه وزارة الداخلية التهمة خلال الندوة الصحفية إلى الكيان الصهيوني بالتورط مباشرة في اغتيال محمد الزواري، والحال أن كل القرائن والأدلة تظهر تورط جهاز "الموساد" في العملية، مبررا صمت الوزارة كذلك بأسباب سياسية. واتهم جهة سياسية متنفذة في تونس بالتعتيم على الملف، رافضا الكشف عنها باعتبار أن ذلك من اختصاص القضاء وحده.
ولم تجب وزارة الداخلية والجهات المشاركة في المؤتمر عن العديد من الأسئلة، من أهمها: هل حاولتم الاتصال بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" لتبادل المعلومات حول جريمة اغتيال المهندس محمد الزواري؟ وكيف تمكن الجناة من تنفيذ جريمتهم دون أن يتفطن إليهم أحد؟ وكيف تمكنوا من مغادرة البلاد من نفس الميناء الذي نزلوا فيه أول مرة؟ وكان أكثر الأسئلة المعلقة هو: هل الأسلحة المستخدمة أتوا بها من الخارج أو حصلوا عليها من تونس؟ وممن؟
وعن تدويل القضية، لم يستبعد العميد حاتم المزيو رئيس الفرع الجهوي للمحامين بصفاقس في ندوة صحفية إمكانية تدويل القضية باعتبارها إرهاب دولة.
وفي التعقيب على ذلك، قالت ماجدة صالح أرملة الشهيد المهندس محمد الزواري إن نتائج التحقيق تبقى منقوصة طالما لم توجه التهمة إلى الاحتلال (الإسرائيلي) الذي يقف بكل تأكيد خلف جريمة اغتيال المهندس محمد، وهذا يستدعي موقفا وطنيا في تونس للدفع باتجاه الكشف عن الجهة الحقيقية التي تقف وراء حادثة الاغتيال.
وأضافت أرملة الشهيد لـ"الرسالة" أن الكثير من الجهات المتابعة للقضية دعت الداخلية التونسية إلى الإعلان الصريح عن الجهة التي تقف وراء حادثة الاغتيال، مع أهمية ما تم الإعلان عنه من تفاصيل حول المنفذين، وآلية الدخول والخروج من تونس، إلا أن لتحميل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية ما جرى أهمية كبيرة في مجريات القضية على المستويات كافة.
يشار إلى أن حركة حماس ثمنت جهود السلطات التونسية في متابعة ملف اغتيال المهندس الزواري وكشفها عن المجرمين المتورطين في هذه الجريمة، فيما أكدت أن المطلوب يتمثل بضرورة ملاحقة هؤلاء المجرمين ومحاكمتهم وتقديمهم للعدالة والعمل على فضح الاحتلال الإسرائيلي المسؤول الرئيس عن هذه الجريمة.