معارض بيع السيارات.. إهدار للمياه الجوفية ومكاره صحية وبيئية

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

غزة-محمد شاهين

في وضح النهار ووقت سطوع الشمس، تجري المياه في شارع الصفطاوي بمدينة غزة، كما لو كانت الأجواء ماطرة بشدة، كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرا، حين لاحظت "الرسالة" امتداد المياه على طول الشارع مشكلةً مجرى يشبه النهر الصغير، جارفاً معه الشوائب والرمال والأكياس البلاستيكية.

كان المشهد يعبر عن حالة مؤسفة من هدر المياه، وبعد تتبع مجرى المياه الذي انتهى في حفرة رملية، وامتد لقرابة 150 متراً، اتضح أن مصدره أحد معارض تجارة سيارات، والذي يقوم أحد عماله بتلميع سيارته المعروضة للبيع بخرطوم مياه يعتلي رأسه مضحة صغيرة لتقوية خروج الماء بأكبر كميةٍ ممكنة.

تاجر سيارات: نجبر على غسل السيارات بخراطيم المياه حتى نقنع الزبائن

 

حين وجهنا سؤالنا لصاحب المعرض، ألا تعتبر ما تقوم به هدراً للمياه ؟ أجاب باستهتار (وايش بدنا نعمل، لازم السيارة تكون بتملع عشان تدخل راس الزبائن، المياه بتيجي وبتروح وفي الأخير دفعين حقها، بس البيعة الي بتروح من أيدينا بترجعش هالأيام)، وفي مختصر الحوار المقتضب مع التاجر، اتضح أنه غير مبالٍ بما يفعل ولا حتى بالنتائج.

وعلى الرغم من ندرة المياه، إلا أن ممارسات أهالي القطاع الخطأ تفاقم هذه المشكلة وتجعلها تنذر بإرهاصات خطيرة تؤثر على الخزان الجوفي، كما أن انسياب مياه غسل السيارات في الشوارع، يعتبر مكرهة صحية وبيئية، لحملها للأوساخ والمواد الكيميائية السامة الناتجة عن تسرب زيوت السيارات إلى الأسفلت، لينتهي بها المطاف إلى الخزان الجوفي ما يجعله عرضةً للتلوث بالعناصر الثقيلة والسامة.

السكان يعانون

المشهد المؤسف وملاصقة المياه لمنازل المواطنين الذي يجاورون معرض التاجر، دفعنا لتوجيه أسئلة لأصحابها، عن تضررهم من هذه المياه، إذ اتضح وجود تذمر كبير خاصة وانهم يعانون من انقطاع متكرر للمياه، بالإضافة لتلوث منازلهم بسبب انسياب المياه على مداخلها.

العديد من المشادات حصلت بين أصحاب المحال والسكان لكن دون جدوى.

وبدورها قالت السيدة ام احمد، إنها "تضطر لتنظيف مدخل بيتها لأكثر من 3 مرات يومياً، بسبب ابتلال اقدام كل من يدخل لمنزلها وجلبه معه الأوساخ نتيجة بركة المياه المتسخة والتي مصدرها معرض السيارات المجاور، عدا عن أن المشهد لا يليق بشارع عام يدخله آلاف المواطنين يومياً".

وطالبت في حديثها مع "الرسالة"، "البلدية بوضع الحلول المناسبة لتجاوز الأمر الذي يثقل كاهلها.

حالة المعرض السابق، دفعت معد التحقيق للبدء بجولة واسعة على معارض تجارة وتأجير السيارات في شمال ووسط غزة، التي كان معظمها يستخدم نفس الأسلوب السابق، في إسراف وهدر للمياه بصورةٍ كبيرة، وتركها تجري في الشوارع العامة، ولاحظنا ان عدداً منهم يتركون خرطوم المياه مفتوحاً لفترة تزيد عن الـ 15 دقيقة دون استخدامه في عملية الغسل.

قرابة الـ 20 معرض بيع وتأجير راقبتها "الرسالة"، لمدة استمرت لأكثر من أسبوع، لاحظنا منها معرضين فقط لا يستخدمون أسلوب الاسراف في المياه والبقية كانت تهدرها بصورةٍ كبيرة، ما دفعنا إلى الوقوف على هذه الظاهرة، ووضعها على طاولة المسؤولين في إطار التحقيق الصحفي.

أزمة كبيرة

حملت الرسالة مجريات التحقيق، ووضعته على طاولة د. حسام النجار، رئيس قسم الهندسة البيئية في الجامعة الإسلامية، الذي قال "إن قطاع غزة كباقي مناطق الشرق الأوسط، يعيش أزمة مياه خانقة كونه يعتبر من المناطق الشبه جافة، إلا أن المساحة الضيقة والتعداد السكاني الكبير الذي يعيشه يضاعف هذه الأزمة ويجعها من ضمن اعلى المستويات في العالم".

مواطن: مياه غسيل السيارات تلوث منازلنا باستمرار ونريد حلولاً

وأوضح أن اعتماد قطاع غزة على مياه الخزان الجوفي للأغراض الأدمية والزراعية والصناعية، يجعل السحب من الخزان الجوفي حوالي 180 مليون متر مكعب، بينما يحق الخزان الجوفي من مياه الأمطار حوالي 60 مليون متر مكعب سنوياً. وتسبب ذلك بدخول مياه البحر، ورفع نسبة الملوحة والتلوث فيها.

وتطرق النجار إلى قضية التحقيق ومضى بالقول" إن ما يقوم به تجار السيارات من استخدام مياه الشرب لغسل السيارات مستخدمين خراطيم المياه يشكل خطراً كبيراً على مستوى المحافظة على البئر الجوي".

أكاديمي: إهدار المياه من معارض السيارات يخلق مكاره صحية وبيئية خطيرة

وبين النجار ان التجار وأصحاب معارض السيارات يحرصون على تلميع سياراتهم وغسلها بشكلٍ مستمر بغرض التسويق، ويستخدموا بذلك المياه، مقدراً نسبة المياه التي تخرج عن طريق الخرطوم لغسل السيارة الواحدة بـ 500 لتر، وإذا ما قام أصحاب السيارات بغسل سياراتهم لمرة واحدة اسبوعياً، والبالغ عددها 80114 في قطاع غزة، فإن هذه العملية ستستنزف حوالي مليوني متر مكعب سنوياً، وهي نسبة خطيرة في بقعة تعاني من شح المياه وتلوثها.

وعن الحلول المطروحة، بين النجار أن دول العالم المتقدم لا تتوانى في مخالفة كل من يستخدم خراطيم المياه في غسيل السيارات، إذ يستخدمون عددا من الطرق التي تحافظ على المياه ومن أبرزها حاويات المياه والمماسح.

مكرهة بيئية وصحية

ومن وجهة أخرى، يشير رئيس قسم الهندسة البيئية في الجامعة "الإسلامية"، إلى ان انسياب مياه غسل السيارات في الشوارع، يعتبر مكرهة صحية وبيئية، وعزا ذلك إلى عدة أسباب أبرزها أن هذه المياه تحمل معها الأوساخ والمواد الكيميائية السامة نتيجة تسرب زيوت السيارات إلى الأسفلت، وانتهاء المطاف بها إلى المناطق الرملية وإعادة انسيابها للخزان الجوفي ما يجعله عرضةً للتلوث بالعناصر الثقيلة والسامة.

كما يوضح النجار أن تردي الطرقات المسفلتة في قطاع غزة، والتي تعاني من التكسير والحفر، يجعل هذه المياه تتجمع بداخلها، لفترات، وعند مرور السيارات المسرعة تتراشق هذه المياه الملوثة على المارة من السكان، ما قد يضر بصحتهم، عدى عن حدوث بعض المشادات والمشاحنات التي تؤدي إلى ازدحام مروري.

سلطة المياه: الممارسات الخطأ تتسبب في تلويث المياه الجوفية

وفي نهاية حديثه، طالب بضرورة تفعيل دور شرطة البلدية والشرطة البيئية لمتابعة هذه القضية الحساسة، وقال "إن قطاع غزة بحاجة إلى فرض قانون بيئي حازم، يمنع هذه الممارسات غير الحضارية التي لها أثر على مستقبل المياه، فالرسول صلى الله وعليه قد نهى عن الإسراف بالمياه ولو على نهر جار".

محاسبة المسرفين

رسالة د. حسام النجار وضعها معد التحقيق على طاولة م. مازن البنا، نائب رئيس سلطة المياه في قطاع غزة، الذي أكد على ضرورة تفعيل قوانين محاسبة المسرفين بالمياه، خصوصاً في ظل النقص الكبير الذي يعاني منه القطاع بالمياه الجوفية.

ولا يحصر البنا حل أزمة المياه الراهنة فقط، بمعاقبة المخالفين، وإنما يشدد على ضرورة إقامة برامج وورش عمل وحملات لتوعية المواطنين ومستهلكي المياه، ووضعهم في صورة العجز الكبير الذي يشهده قطاع غزة والذي يثقل كاهل البئر الجوفي بعد الاستمرار باستنزافه، كاشفاً أن ما يورد للبئر من مياه الأمطار يقدر من 60 إلى 50 مليون متر مكعب من المياه، بينما يستخرج منه سنوياً قرابة الـ 200 مليون، ما يجعل العجز في المنسوب كبيرا ً جداً ويخلق فجوة واضحة وكبيرة.

وشدد البنا على أن ظاهرة غسيل السيارات باستخدام الخراطيم، تعد من إحدى الظواهر السلبية، التي تستنزف المياه الجوفية، وتتسبب في تأزم مشكلة المياه، إذ أنه من الممكن وضع بدائل لهذه الطرق الغير حضارية والضارة بمياه قطاع غزة، وتساهم في المحافظة على المياه من الإهدار والإسراف.

نسبة المياه التي تخرج عن طريق الخرطوم لغسل السيارة الواحدة تقدر بـ 500 لتر، ما يعني استنزاف مليوني كوب سنويا في حال كانت المعارض البالغ عددها      80114 تغسل سياراتها مرة واحدة أسبوعيا

وحذر البنا من أن الممارسات الخطأ والإسراف في المياه يتسبب في تلويث بئر المياه الجوفية، وذلك بسبب قرب سطح الأرض إذ تتراوح هذه المسافة بين 10 أمتار و20 متراً، حسب ارتفاع سطح اليابسة من سطح البحر إذ يتوازى عمق البئر الجوفي مع مستوى البحر، وبالتالي يكون من السهل ترسب زيوت السيارات والعوالق التي تجرفها المياه الجارية إلى المياه الجوفية.

كاشفاً أن بعض المناطق وصلت بها نسبة التلوث 600 ملم من النترات في اللتر الواحد، بينما تضع منظمة الصحة العالمية كحد اقصى 50 ملم في اللتر الواحد، أي أن نسبة التلوث في المياه تتضاعف لقرابة الـ 12 ضعفاً.

ويوزع نائب رئيس سلطة المياه المهام لتجاوز هذه الظاهرة، على كلٍ من البلديات والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني المهتمة في هذا الجانب والمواطن، حيث يشدد على ضرورة الحفاظ على المياه ومستقبلها من خلال العمل المشترك والحثيث وفقاً لبرامج موحدة ومشتركة، ومضى بالقول "إن نقص التمويل يجعل الكثير من المشاريع الكبيرة الهادفة إلى تقنين الاستهلاك من البئر الجوفي تسير ببطء، ما يجعلنا مجبرين لخيار المحافظة وتقليل الاستهلاك".

ويضع البنا في نهاية حديثه علامات استفهام حول إهدار المياه والجباية المالية الناتجة عنها، إذ يكشف أن البلديات تجبي من 40 إلى 50% من ثمن المياه الصادرة عنها أي أنها تفقد نصف المياه الخارجة من البئر الجوفي إما بسبب عمليات سرقة المياه من قبل المهدرين أو من تآكل بعض شبكاتها، ما يجعل تفعيل الرقابة أمرًا ضرورياً وحتمياً.

تلف الشوارع المسفلتة

وعلى اعتبار أن بلدية غزة الأكثر نفوذاً في قطاع غزة، جلست "الرسالة"، مع م. عبد الرحيم أبو القمبز مدير عام الصحة والبيئة في البلدية، الذي حذر من خطورة استنزاف المياه في معارض السيارات، إذ لا يقتصر ضررها على المكاره الصحية وإهدار المياه، وإنما يتسع ليعمل على تآكل الشوارع وتلفها والتقصير من عمرها الزمني.

بلدية غزة: مياه غسيل السيارات تقلل عمر الشوارع الاسفلتية الزمني ونضبط مخالفين

وأكد أبو القمبز، أن "الكثير من أصحاب معارض السيارات يستخدمون خراطيم ضغط المياه لغسل سياراتهم، ويسرفون في الماء بعد تركه ينساب إلى الشوارع بكميات كبيرة جداً، ما يؤدي إلى استنزاف البئر الجوفي، موضحاً أن قطاع غزة يعاني من قلة مصادر المياه ومن المهم المحافظة على كل قطرة ماء وعدم هدرها بمثل هذه الطرق المحزنة.

وأشار أبو القمبز إلى أن بلدية غزة تتيقظ لهؤلاء التجار الذين يذهب بعضهم إلى غسل سيارته بعد انتهاء دوام الموظفين والمراقبين، ما اضطرها إلى تشكيل فريق متخصص يعمل بعد ساعات الليل للبحث عنهم وتقديم الإخطارات لوضع حدود لهم، داعياً المهدرين إلى غسل سياراتهم عن طريق المماسح والطرق التي توفر الماء وتمنعه من الانسياب في الشوارع.

ونظراً لتكلفة فاتورة المياه التي ترتفع مع الإسراف به في غسل السيارات، كشف أبو القمبز عن سرقة العشرات من أصحاب المحال التجارية للمياه، موضحاً أن هذا السلوك غير حضاري ويتنافى مع الدين الإسلامي، محذراً من أن الأنظمة واللوائح القانونية داخل البلدية ستقدم المخالفين للمقاضاة داخل محكمة البلدية التي تستمر في تنظيم هذه الأنظمة واللوائح.

بعض المناطق وصلت بها نسبة التلوث للمياه الجوفية بالنترات إلى 600 ملم في اللتر الواحد، بينما تضع منظمة الصحة العالمية حدا أقصى 50 ملم في اللتر الواحد

وعلى الرغم من إجراءات البلدية التي سردها أبو القمبز، إلا ان معد التحقيق واصل مراقبته لأصحاب المعارض الذين لا يأبهون لهذه التجاوزات التي تثقل على الطرق العامة وعلى المواطن وعلى مخزون المياه الجوفية، ما يجعل تشديد الرقابة ورفع الجانب التوعوي أمراً ضرورياً وسريعاً.